كتب عمر البردان في صحيفة "اللواء":
تتزايد المؤشرات التي توحي بأن "حزب الله" وحلفاءه اتخذوا القرار بعدم تمويل المحكمة، لا في مجلس الوزراء ولا في مجلس النواب، الأمر الذي يزيد من حراجة موقف الرئيس نجيب ميقاتي الذي سبق وأكد في أكثر من مناسبة بأن حكومته ملتزمة تمويل المحكمة لأنه ليس باستطاعة لبنان أن يقف موقفاً مواجهاً للمجتمع الدولي، بالتالي عليه تنفيذ التزاماته الخارجية واحترامها، وخاصة في ما يتعلق بالمحكمة.
وتؤكد أوساط نيابية في تيار "المستقبل" لـ"اللواء" أن معالم المرحلة المقبلة بدأت تتضح، حيث يظهر بوضوح أن البلد على أعتاب مرحلة بالغة الخطورة لا يمكن التكهن بنتائجها، في ضوء اتجاه الحكومة إلى رفض تمويل المحكمة بغض النظر عن كل الاعتراضات الداخلية والخارجية، الأمر الذي سيضع الرئيس ميقاتي في وضعٍ لا يُحسد عليه، وسيكون في مواجهة حتمية مع مكونات الأكثرية التي لا تريد التمويل بأي شكل من الأشكال.
وفي معرض تعليقها على الكلام المنقول عن الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله عن أنه لن يُصار إلى التفريط بالحكومة، تشير الأوساط إلى أنه واضح في أنه سيخير الرئيس ميقاتي بين أمرين، إما الحكومة وإما المحكمة، وبالتأكيد فإن ميقاتي سيختار الحكومة و"سيلحس" كلامه الذي أكد عليه مراراً لجهة حرصه على تمويل المحكمة، لأنه أيقن أن لا قدرة له على تجاوز من بيده القرار الحكومي، وبالتالي، فإن رسالة "حزب الله" لميقاتي تبدو واضحة وهي القول له بنسيان المحكمة إذا كان يريد بقاء حكومته، وإذا أراد أن يفكر بغير ذلك، فلكل حادث حديث، وعندها يمكن اللجوء إلى الخيارات البديلة الجاهزة.
وحذرت الأوساط المعارضة مما سمته "توزيع أدوار" بين "حزب الله" وميقاتي، في ما يتعلق بالتمويل، لكن يبدو أن الفريقين متفقان على رفض التمويل والعمل على عرقلة هذا الموضوع، سواء داخل الحكومة أو في مجلس النواب، لافتة إلى أن المواقف التي كان رئيس الحكومة يطلقها دعماً للمحكمة، إنما يمكن النظر إليها على أنها محاولة من جانب ميقاتي للقول للبنانيين في حال لم يوافق مجلس الوزراء على التمويل إنه قام بما عليه في هذا الملف، وإنه قدم كل ما يستطيع، لكن في النهاية لا بد من الالتزام بقرار مجلس الوزراء في إطار العمل المؤسساتي، وبالتالي فإن مصلحة البلد هي في احترام أي قرار تتخذه الحكومة، سواء بالتوافق أو بالتصويت، وعلى الجميع الالتزام بالقرارات الحكومية التي تصدر، وتقول إن هذا السيناريو هو الأكثر واقعية، خاصة وأن بقاء الحكومة هو حاجة أساسية لـ<حزب الله> وحلفائه ولسوريا أيضاً التي تواجه ضغوطات عربية ودولية هائلة، وهي لن تكون مستعدة للتفريط بحكومة ميقاتي التي توفر لها حائط دعم لمواجهة هذه الضغوطات ولتفادي أي أزمة سياسية قد تترك انعكاسات سلبية على البلدين معاً.
وفي المقابل، تؤكد الأوساط أن دولاً عربية وغربية أبدت استعدادها التام لدفع حصتها من تمويل المحكمة في حال رفض لبنان دفع حصته، لأن معرفة الحقيقة وإحقاق العدالة مطلب دولي لا يمكن تجاهله، وعليه فإن استمرار عمل المحكمة التزام واضح من كل الدول التي ساهمت في تمويل المحكمة، ولذلك فإن أي موقف سلبي قد يتخذه لبنان من التمويل لن يؤثر بشيء على عمل المحكمة المصممة على إماطة اللثام عن اللغز الكبير الذي يحيط بجرائم الاغتيال التي حصلت، ولكشف كل المتورطين بها، تمهيداً لمحاكمتهم وإنزال العقاب اللازم بحقهم، ولعدم بقاء لبنان ساحة مستباحة للإجرام والمجرمين.