#adsense

حيث تجرّأ سمير جعجع… عندما ينسى المسيحيون دورهم ويحصون عددهم

حجم الخط

بقلم رئيس دائرة الشؤون السياسية في المركز اللبناني للمعلومات د. نبيل سركيس: في موازاة الٳنقلاب الكبير الذي يحصل في العالم العربي والذي اصطلح على تسميته ب"الربيع العربي"، تجنح البيئة المسيحيّة في لبنان، أو بعضها، بإتجاه الإنسحاب من دورها التاريخي الحامي والمدافع عن كل ضعيف ومضطهد في هذا الشرق والتقوقع بحثا" عن حماية من هنا او ضمانة من هناك.

وعوض التعاطي بتفاؤل وأمل مع الثورات العربية الساعية الى الديموقراطية باعتبارها تستجيب لمسار تاريخي تعمّد بدماء الاف الشهداء المسيحيين، تصبح هذه التحوّلات ولأسباب غير مبررة مصدر خوف لدى قسم من المسيحيين.

وبدلاً من الٳنخراط في هذا الحراك العربي الٳستثنائي الذي يتماشى مع الحركة المسيحية المشرقية التاريخية والعمل على ادخال النموذج اللبناني ومفاهيم العيش المشترك في ادبيات الربيع العربي، يسلك بعض المسيحيين سلوكا" اقلويا" طارئا" على المناخ المسيحي العام سيؤدي بالمسيحيين اذا ما استمر، حتما" الى التقوقع والٳنعزال.

فالمسيحيون الذين كانوا من رواد النهضة العربية يبدون اليوم ومنذ أن بدأت الثورات والإنتفاضات في العالم العربي قبل بضعة اشهر، كأنهم يعيشون هاجس الخوف من هذه التحوّلات وفي حالة بحث عن حماية، وكأنهم يفضلون البقاء تحت طغيان الأنظمة الاستبدادية تطبيقا" لنظرية غوبلز حول تعلق الضحية بجلادها.

ومن سخرية القدر أن جبل لبنان المسيحي، والذي شكل تاريخيا" ملاذا" لكل مضطهد في هذا الشرق والذي لجأ اليه كل رافض للعيش ذميا"، بدأ بعض أهله العمل على تحويله الى بيئة تعيش هاجس طلب الحماية، في نظرة اقلوية اقل ما يقال فيها انها تتناقض مع كل ما حارب وقاتل واستشهد من اجله الاف والاف المسيحيين.

ان إنكفاء البيئة المسيحيّة في لبنان عن الٳنخراط في محيطها الأكبر والبحث عن حلف بين اقليات يمكّنها من مواجهة الأكثرية المسلمة في المنطقة يعاكس تماما" ما جاء في الٳرشاد الرسولي ويتعارض مع مقرّرات المجمع البطريركي الماروني في التشديد على دور لبنان الرسالة، ويضع بالتالي المسيحيين في دائرة الخطر.

فمجرد النظر الى الوجود المسيحي في لبنان او في المنطقة نظرة عددية او اقلوية هو الخطر بعينه والحقيقي على هذا الوجود الذي يحوّل المسيحيين الى كائنات بيولوجية تتناقص اهميتها والحاجة اليها بحسب تناقص عددها. ويعني أنه في موازاة التحوّل الديموقراطي العربي، يتخلىّ المسيحيون عن لعب أيّ دور في ديموقراطيّة بلادهم ومحيطهم ويصبحون امام خيار وحيد هو التقوقع ومن ثم الذوبان او الرحيل.

كما ان التهويلً على المسيحيين اللبنانيين والعرب بأنّ تحرر الشعوب العربية وتحولها نحو الديموقراطية يحملُ معه خطر وصول انظمة إسلامية متطرفة قد تشكل تهديدا" للمسيحيين ولوجودهم، وبالرغم من غياب اي دليل يعزز هذا المنحى، فٳنه لا يقترن بعرض بديل سوى دعوتهم فقط للتمسك بالديكتاتوريّات الحالية ويضعهم بالتالي مجانا" في مواجهة الأنظمة الجديدة التي قد تنبثق عن هذه الثورات.

ففي هذه اللحظة التاريخية يتخلىّ بعض المسيحيين وخصوصا" بعض الموارنة عن دورهم الريادي وتصبح الحرية مصدر قلق بالنسبة اليهم والديموقراطية تهديدا" لوجودهم، وينحون بسلوكهم نحو ذمّية مستجدة طالما فضّل أسلافهم قساوة الجبال ووعورة الوديان على العيش بكنفها، وتتقزم القضية فجأة" الى المطالبة بعدم بيع الأراضي الا للمسيحيين والى تحصيل وزير بالزائد من هنا او استجداء مدير عام من هناك، او احتساب لعدد مهما تغيّر يظلّ اقلّ من أن يحتسب في هذا الشرق الفسيح .

ٳنّ ضمانة الوجود المسيحي في هذا الشرق هو دوره وتفاعله مع محيطه ومساهمته في تحقيق الديموقراطيّة والحداثة وبناء الدولة المدنية الضامنة والحامية لتعدد أطياف مجتمعاتها. فخير للمسيحي المشرقي الٳنخراط في ثورات التحرر كلّ في المجتمع الذي يعيش فيه بدل الٳحتماء وراء أنظمة استبدادية هي حتما" الى زوال.

فلا يعقل أنه في اللحظةٍ التي تقترب فيها الملايين من الشعوب العربية المسلمة من تحقيق حريتها وتسعى للتشبه بالنموذج اللبناني التعددي حيث لبنان هو المكان الوحيد الذي يتم فيه تداول السلطات بطرق ديمقراطية مقبولة وحيث ما كان هذا ليكون لولا دور المسيحيين فيه، أن يتخلى بعض الموارنة عن دورهم الريادي وتصبح الحرية مصدر قلق لهم والديموقراطية تهديدا" لأمنهم، ومبدأ تداول السلطة خطرا" على وجودهم.

لقد عبّر رئيس حزب "القوات اللبنانيّة" الدكتور سمير جعجع في خطابه المفصليّ الأخير في ذكرى شهداء المقاومة اللبنانية بوضوح عن الحقائق التاريخية التي آمن وعمل من اجلها ولا يزال المسيحيون في لبنان وفي الشرق. وأوضح حقيقة الموقف المسيحي من الثورات والتحوّلات العربيّة، مدرجاً لبنان ضمن "الربيع العربيّ"، ومعتبرا" أن ربيع العرب يأتي بعد ربيع بيروت الذي انطلق في 2005 حيث كان للموارنة ولكنيستهم بقيادة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير دور رائد فيه انطلاقا" من النداء الشهير لمجلس المطارنة الموارنة العام 2000.

لقد وضع الدكتور جعجع في خطابه المسيحيين في قلب العالم العربي، وفي قلب النهضة العربية الحديثة، ورفض مقولة حاجة المسيحيين الى حماية، فهم جزء لا يتجزأ من النسيج العربي، وهم في موقع المواطنة والشراكة الكاملة في هذا الشرق.

واشار الى أن ما يحمي المواطن هو المواطنية الصحيحة، في مجتمع متعدد ديموقراطي، وليس الديكتاتوريات والقمع. فالمحافظة على الهوية الدينية والهوية الاجتماعية وعلى حقوق الأقليات، تتحقق في كنف الدولة العادلة وليس في كنف السلطات الاستبدادية.

واعتبر رئيس حزب القوات أنه في الوقت الذي بات هذا الشرق يشبهنا ويطالب بالحرية والديموقراطية، نعلن نحن رفضنا وعدم رغبتنا بهذا القول. فيما هذا هو الدور الأساس للمسيحيين في المنطقة، هو دور حضاري طليعي متقدم قائم على أسس الحريات والديموقراطية. هذه هي رسالة المسيحي الحقيقي، وهذا هو جوهر وجوده وجوهر رسالته وهنا لا يعود للعدد معنى او قيمة.

وأكد الدكتور جعجع على الٳلتزام بالقضايا العربية حيث تطرّق الى الشأن الفلسطيني، منطلقا" من القيم المسيحية في التعامل السياسي بالرغم من الماضي الأليم بين المسيحيين في لبنان والفلسطينيين.

كما تجرّأ وكان واضحا" في موقفه بالنسبة لما يحصل في الداخل السوري، وتبنى موقف كل لبناني شريف، يؤمن بالحرية والديموقراطية.

وركز الدكتور جعجع في خطابه على انتماء المواطن الى الوطن، وليس الى الطائفة والمذهب، اي انّ ما يحمي المواطن هو المواطنية الصحيحة، في مجتمع متعدد ديموقراطي، وليس الديكتاتوريات كالتي اضطهدت وسجنت وقتلت وهجرت ونكلت بالمسيحيين في لبنان.

وكان شجاعا" اذ اعتبر أنّ الخوف من وصول اصوليات معيّنة الى السلطة قد يكون مبررا" ولكنه لا يبرّر المحظورات خصوصا" وانّ المسيحيين موجودون في هذه المنطقة منذ الفي سنة وقبل ظهور الاسلام.

لقد كانت كلمة الدكتور سمير جعجع في هذه المناسبة معبّرة ومفصلية وتحمل رؤيا واضحة وشجاعة كبيرة. لقد وضع جعجع المسيحيين في قلب العالم العربي، وفي قلب النهضة العربية الحديثة، وفي الوقت عينه رفض منطق حاجة المسيحيين الى حماية. فضمانة الهويات الدينية وضمانة الأقليات تحفظها وتؤمّنها الدولة المدنية العادلة وليس السلطات الاستبدادية الديكتاتورية.

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل