فلبنان، المصاب بـ«وهج» الاحداث اللاهبة في سورية، مرشح للتحول الى الملعب الاكثر دراماتيكية في تظهير مجريات المواجهة السعودية ـ الايرانية المفتوحة على «شتى الاحتمالات» في ضوء الاتهامات لطهران بالتخطيط لاغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة.
وهكذا تبدو بيروت وكأنها تواجه «قدرها» البائس، محاصرة بخطرين، واحد قديم ـ جديد يتمثل في الصراع السعودي ـ الايراني على «الامر لمن؟» في لبنان، وعلى موقعه الاقليمي، وآخر «مستدام» يتصل بمجمل العلاقة مع سورية، لا سيما بعد انفجار الاوضاع فيها.
وعلى وقع التدافع بين «الخطرين» اصبح الجميع في بيروت «تحت المجهر»… حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، و«حزب الله»، و«تيار المستقبل» بزعامة سعد الحريري، والزعيم الدرزي وليد جنبلاط. فالانطباع العام يؤشر الى تضاؤل هامش «المناورة» واقتراب لحظة… المواجهة.
«حزب الله»، الاستراتيجي الذي قلما يفصح عن خياراته، يتصرف على قاعدة انه «اخرج السعودية من لبنان» عندما اطاح بالحريري من رئاسة الحكومة: ففي تلك الليلة الليلاء من يناير الماضي قلب امينه العام السيد حسن نصرالله الطاولة حين رد وزيري خارجية تركيا داود اوغلو وقطر الشيخ حمد بن جاسم على اعقابهما «لا تسوية مع الحريري».
ففي ايام «السين ـ سين»، اي المسعى السعودي ـ السوري لرعاية تسوية بين الحريري و«حزب الله»، كان الاخير يعتقد ان السعودية التي اقصيت عن العراق بقوة النفوذ الايراني، عليها التسليم بشروط الحزب وسورية في لبنان لحفظ ماء الوجه لا اكثر ولا اقل، والا فإنها ستكون مضطرة لوداع ما تبقى لها من نفوذ في لبنان.
وثمة من يعتقد ان لعبة «احراج الحريري لاخراجه» عبر مطالبته يومها بالتخلي عن المحكمة الدولية ورفض حتى تقاسم السلطة معه في اطار حكومة «الوحدة الوطنية»، كان الهدف منها احكام «حزب الله» سيطرته كاملة على لبنان «الساقط عسكرياً اصلاً»، ونقله تماماً الى المحور السوري ـ الايراني، وهو ما تجلى تالياً باسقاط حكومة الحريري آنذاك.
غير ان «حزب الله»، الذي نجح في قلب التوازنات التي اسقطت الحريري وابعدت السعودية، فوجئ مع حلفائه الاقليميين بـ «تسونامي» الاحتجاجات في الشارع العربي وبلوغه سورية التي دهمتها ازمة هائلة وضعت نظام الرئيس بشار الاسد امام تحديات قد لا ينجو منها، مع تعاظم الاحتجاجات في الداخل وتزايد عزلته العربية والدولية.
والذين يدققون في التحول الذي احدثه «حزب الله» يتحدثون عن «نصف انقلاب» لاضطراره في نهاية المطاف الاتيان بنجيب ميقاتي «الملياردير الحريص على صلاته العربية والغربية» الى سلطة يشكل «بيضة القبان» فيها وليد جنبلاط، الذي كان «اقتيد عنوة» للالتحاق بالتحالف الذي يقوده «حزب الله».
ولم يكن مفاجئاً بلوغ «السلطة الجديدة» حد «المصير المجهول» على وقع المتغيرات الدراماتيكية في الوقائع الاقليمية، لا سيما في ضوء تطورين اولهما خطر انهيار نظام الاسد مع دخول الاحتجاجات في بلاده شهرها الثامن، وانكسار اندفاعة المشروع الذي تقوده ايران في البحرين في ضوء التدخل العاجل لـ «درع الجزيرة».
فغالباً ما يجري الحديث الآن في بيروت عن ان الرئيس ميقاتي يضع ومع كل «شاردة وواردة» استقالته على الطاولة… هذا ما حدث اخيراً يوم التصويت على مشروع القرار الاوروبي الذي يدين سورية في مجلس الامن وما يمكن ان يحدث في الاسابيع المقبلة مع «استحقاق» دفع لبنان حصته من تمويل المحكمة الدولية.
فـ «حزب الله» اطلق «لا» مكتومة لتمويل المحكمة، التي جزم رئيس الحكومة السابق عمر كرامي بعد لقائه نصرالله بان التمويل «لن يمر لا في الحكومة ولا في البرلمان»، مما اوحى بان الحزب الذي يسعى لـ «المواءمة» بين اسقاط التمويل ومنع سقوط الحكومة سيكون امام معادلة صعبة.
احد المحيطين بميقاتي قال لـ «الراي» ان «رئيس الحكومة لم يلتزم بأي تعهدات لـ «حزب الله» حيال المحكمة، على عكس ما يشاع عن تواطؤ ضمني يقوم على عرض التمويل على الحكومة واسقاطه بالتصويت، على نحو يحفظ لميقاتي «ماء الوجه» على قاعدة «ما في اليد حيلة».
ولم يخف ميقاتي، بحسب القريب منه، دعمه القوي للمحكمة، ليس بسبب موقف عاطفي يرتبط بالوفاء لرئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري فحسب، بل لأنه يجد في المحكمة «بوليصة تأمين» على حياته هو. لذا فإن موقفه من هذه المسألة البالغة الحساسية لا يحتمل المساومة.
وثمة من يعتقد في بيروت ان تشدد ميقاتي في بعض المسائل، كعلاقة لبنان بالمجتمع الدولي وتمويل المحكمة، مرده الى شعوره بانه «حاجة مزدوجة» لسورية و«حزب الله» في هذه المرحلة المعقدة فـ «الحجر في مكانه بيساوي رطل».
والاكثر اثارة للانتباه في هذا السياق ان المعادلة الحالية التي تحكم لبنان وجاءت وليدة التحالف بين سورية و«حزب الله» لم تعد طليقة بدليل ان مصيرها يرتبط بما قد يتجه اليه تحالف ميقاتي ـ جنبلاط، الذي من شأنه وفي اي لحظة «قلب الاكثرية» من جديد، وهو الامر الذي يتعاطى معه الحزب بدراية بالغة.
فجنبلاط الذي التقى نصرالله ليل الخميس ـ الجمعة واطل امس عبر المحطة التلفزيونية للحزب (المنار)، اختار معاودة الوقوف على الشرفة يراقب التحولات العاصفة في المنطقة ولا سيما في سورية.
لم يحل نقاش زعيم «التقدمي» مع نصرالله، والذي تميز بـ «الصراحة والحرص والعمق» دون تثبيت موقفه من دعم تمويل المحكمة الدولية الى اعتبار ما يجري في سورية «ثورة» لم يحسن الرئيس الاسد التعامل معها عبر الاستجابة للإصلاح وموجباته، وهو ما دأب على تكراره اخيراً.
فجنبلاط، صاحب «الرادارات اللاقطة» يبتعد الآن عن «8 آذار» بعدما كان غادر «14 آذار»، يحاول الانتظار على ضفاف البحر لمعرفة اتجاهات الموج، وهو القلق على «الهنود الحمر»، الاسم الحركي للأقليات (الدروز والموارنة)، لذا فإنه «يدوزن» مواقفه على النحو الذي يضمن استمرار «تطبيع» علاقته بـ «حزب الله» من دون ان يكون اسير خيارات الاخير في الداخل او في مقاربة الملف السوري.
وحال المسيحيين، لا سيما الموارنة ليس افضل حالاً مما هو عليه الدروز في «لحظة تغيير الدول». ولم يكن ادل على ذلك من الضجيج الذي احدثته المواقف المبكرة للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي من سورية و«حزب الله»، رغم توضيحات متكررة يطلقها على طريقة «تأكيد المؤكد».
ورغم ان بعض المتهمين بـ «ملابسات» مواقف الراعي يشيرون الى ان البطريرك يطمح لأن يكون «حسن نصرالله المسيحيين» عبر قوله «أنا البطريرك اتبعوني»، فإن خياراته اصطدمت باعتراضات داخلية وخارجية قد تفضي الى تمهله في محاولة انتزاع «العلم» من الزعامات السياسية.
هذا الحراك، في بعديه السلبي والايجابي، يتجه نحو محطات اكثر حساسية، لا سيما في ضوء طلب «مزدوج» من واشنطن الى بيروت لاتخاذ موقف ضد طهران على خلفية المحاولة الايرانية لاغتيال السفير السعودي في واشنطن.
فالتقارير الديبلوماسية في بيروت اشارت الى ان نائب وزيرة الخارجية الاميركية وليم بيرنز طلب من السفير اللبناني في واشنطن انطوان شديد تأييد لبنان لما ستقرره الولايات المتحدة، وهو الطلب عينه الذي ابلغته المندوبة الاميركية في مجلس الامن سوزان رايس لممثل لبنان في المجلس نواف سلام.
هذه «الحشرة» ستجعل ميقاتي وحكومته بين نارين… الحشد الدولي خلف واشنطن والرياض في مواجهتهما مع طهران، وايران التي تعتبر لاعباً رئيسياً على الطاولة في عقد دار حكومته من خلال مكانة «حزب الله» في مجلس الوزراء واللعبة السياسية على حد سواء.
