في لقاء جمع في الايام الاخيرة مسؤولا اميركيا رفيعا معنيا بشؤون الشرق الاوسط مع مجموعة عربية في واشنطن، اكد المسؤول الاميركي، وفق مصادر هذه المجموعة، ان ثمة تعليمات صدرت في نهاية آب الفائت الى المراكز الديبلوماسية والادارات الاميركية المعنية بالشرق الاوسط لمواكبة التطورات السورية على نحو أكثر فعالية والاستعداد لمرحلة ما بعد الرئيس بشار الأسد.
وبحسب هذه المصادر، فإن التدرج في الخطاب الاميركي حيال النظام السوري ترافق أيضاً مع التحضير للخطوات الضرورية الآيلة الى الاستعداد للمرحلة السورية الجديدة واستطراداً لمتغيرات جدية في منطقة الشرق الاوسط.
وقد أثار كلام المسؤول الاميركي، الذي غالباً ما يزور المنطقة، استغراباً شديداً لدى سامعيه الذين كانوا يعيشون في الآونة الاخيرة في اجواء سورية تتحدث عن اجتياز النظام السوري مرحلة الخطر، وعن دخول المنطقة في عصر التفاهمات الدولية لتقطيع الوقت الضائع. وطرح هؤلاء اسئلة عن الكلام على حتمية سقوط الأسد، في وقت لا تبدو الولايات المتحدة حاسمة علناً في التعجيل برحيله، بعدما أوكلت المهمة الى كل من أنقرة والرياض، واكتفت بالطرق الديبلوماسية عبر مجلس الأمن والعقوبات الاقتصادية.
لكن الأجوبة الاميركية كانت واضحة بقدر ما هي مختصرة، وتتلخص بأن الفرص أمام الاسد باتت معدومة وان سبل الحل أصبحت معدودة، وان امام الادارة الاميركية التي شرعت في وضع اللمسات النهائية على برنامجها لمواجهة مرحلة ما بعد الاسد، فرصة ينبغي عدم تفويتها من أجل البت سريعاً بالمتغيرات الاقليمية. واستغربت الأجوبة الاميركية تقليل أهمية العقوبات الاقتصادية، فما عاشته سوريا من ضيق اقتصادي سابقاً لا يقاس بما يمكن ان تختبره اليوم، والسوريون الذين سكتوا في ما مضى لم يعد في وسعهم التغاضي عن الازمة المعيشية ولا سيما انهم تجاوزوا حاجز الخوف ولا يزالون مستمرين في التظاهرات منذ آذار الفائت.
وتنقل مصادر هذه المجموعة مشاهدات عما لمسته من الادارة الاميركية حول المرحلة الراهنة، وفيها ان ثمة مساحة واسعة من الحرية باتت مفتوحة امام المعارضين السوريين في الخارج، وهم يفيدون منها لتعزيز صلاتهم وانفتاحهم على مراكز القرار والدراسات والابحاث من أجل توطيد دعائم تحركهم الخارجي. ومعظم هؤلاء المعارضين مشهود لهم بثقافتهم وخبرتهم في تناول القضايا العربية من منظار اكثر انفتاحاً.
وتنقل المصادر أيضاً ان اللاعب العربي الجديد المتحرك دوليا هو قطر، وخشية النظام السوري من اميرها الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني يجب ان تكون في محلها. فأمير قطر بعدما حسم موقفه وانبرت وسائل اعلامه لمواجهة النظام السوري، ماض في معارضته له وفي استيعاب الحركة المعارضة ودعمها. وترى المصادر عينها ان ثمة مجالاً واسعاً للتمويل والمساعدة السياسية الدولية والعربية يمكن ان تقدمه قطر للمعارضة السورية وتطويق الأسد. وقد بدا ترحيب قطر بـ"المجلس الوطني السوري" كأول الدول العربية بمثابة اولى الاشارات الحادة التي توجهها الى الاسد كي يستوعب حجم المتغيرات العربية حياله.
وجاءت الرسالة الاميركية الى طهران، عبر اتهامها بالإعداد لاغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير، بمثابة اللبنة الاولى في سيناريو المتغيرات الاميركية حيال الشرق الاوسط، اذ بدا واضحاً ان الحوار الذي كان دائرا في صورة غير مباشرة بين طهران وواشنطن قد باء بالفشل، بعد اختلاف اولويات البلدين في مقاربة ملفات افغانستان والعراق ولبنان وسوريا، فضلاً عن التباين الايراني الداخلي حول موجبات الحوار وشروطه ومفاعيله. وجاء الرد الاميركي على محاولة اغتيال الجبير بمثابة استهداف الحديقة الخلفية لسوريا ورأس الهرم واعادة تجميع الدول العربية المناهضة لايران ضدها. كذلك جاء بمثابة ضرب عصفورين بحجر واحد، لأن استهداف طهران يطال كل الملفات العالقة، من مقاربة اوضاع العراق ومعالجة بقاء القوات الاميركية فيه، وصولاً الى ترتيب اوضاع سوريا ولبنان. وقد فتحت الرواية الاميركية باب العودة السعودية الى مسرح الحدث، والاطلالة المتجددة لوزير الخارجية سعود الفيصل المعروف بمواقفه المتشددة من طهران ودمشق معاً، ولا سيما ان الاتهام الاميركي جاء بعد أحداث المنطقة الشرقية في السعودية، وتلميح الرياض الى دور ايران من خلال اتهام وزارة الداخلية السعودية الجهات الخارجية بالمساس بأمن السعودية ودعوتها ابناء تلك المنطقة الى "أن يحددوا بشكل واضح إما ولاءهم لله ثم لوطنهم، وإما ولاءهم لتلك الدولة ومرجعيتها".
لكن الأهم، بحسب مصادر سياسية رفيعة، ان هذه الرسالة اعادت تسليط الضوء على الصراع السني – الشيعي في المنطقة العربية، من خلال محاولة النظام الايراني استهداف شخصية سعودية سنية، والتذكير باغتيال الرئيس رفيق الحريري، والكلام الذي يدور من حين الى آخر عن تورط ايران وسوريا في عملية الاغتيال. وفي حال توسعت حلقة التضامن العربية مع الرياض، كما حصل من جانب الكويت أمس، وادانة العمل الايراني، فهذا يعني احتمال ارتفاع منسوب التوتر الاقليمي مجدداً بين توجهين ايراني وعربي، بعد فترة هدوء طبعت المنطقة. ومن شأن ذلك زيادة الضغط على الملف اللبناني المثقل اساسا بهمّ التركيبة الداخلية في ضوء مترتبات المحكمة الدولية وتمويلها، سواء لجهة موقف لبنان دولياً وعربياً والى اي من الدولتين سينحاز موقفه في ضوء علاقة الاطراف اللبنانيين بالسعودية وايران، او حتى في ظل موقفه دولياً في حال تطور الموقف الاميركي نحو عقوبات على ايران.