في غمرة الضجيج حول ملف تصحيح الاجور، بدت المعارضة غائبة أو مغيبة نفسها كلياً عن تلك المعركة التي دارت رحاها المكشوفة بين عمال واصحاب عمل من جهة وبين مكونات الحكومة في جانبها المخفي من جهة أخرى، حتى بلغ الامر بأحد الوزراء الفاعلين الى السؤال عما اذا كانت ثمة معارضة فعلا خصوصا أن فرصة اطاحة الحكومة كانت سانحة في شكل مكشوف لو احسنت اقتناصها، أم أن المعارضة تقف ضد المطالب العمالية مما يفسر موقف رئيس غرفة التجارة والصناعة في بيروت محمد شقير في اطار موقف الهيئات الاقتصادية. فهل غابت المعارضة فعلا وما حقيقة الكلام عن ضعف أو وهن أصاب رموزها وقياداتها في غياب الرأس؟
لا يخفي مرجع بارز في المعارضة أنها تعاملت ببرودة مع ملف الاجور رغم اعلانها موقفا مبدئيا من هذا الموضوع ورغم توقيته المشبوه، لكنها خلافا لملف الكهرباء لم تخض معركته، تاركة الامر للحكومة كي تبين قدرتها على معالجة الملفات الشائكة المطروحة أمامها، وجاءت النتيجة تماما كما توقعتها. وتعزو المعارضة ذلك الى تضافر مجموعة عوامل أثرت في تعاطي رئيس الحكومة تجيب ميقاتي وهذا الملف، أولها ان التحالفات الحكومية في ملف الاجور غير ما كانت عليه في الكهرباء، وهذا يعكس الثقل الوازن للمكون الذي يملك الكلمة الفصل والقرار داخل الاكثرية. فالتحالف الشيعي وقف ضمنا مع رئيس الحكومة في ملف الكهرباء لكنه لم يكن بجانبه في ملف الاجور. وجاء التسرع في اقرار التسوية التي اختلط فيها حابل السياسة بنابل الاقتصاد تحت ضغط التهديد بالشارع بعدما أوردت التقارير الامنية تجمعات ومظاهر مسلحة تعيد التذكير بتاريخ السابع من أيار الشهير.
"لكن التفرج في ملف الاجور لا يعني أن المعارضة غائبة أو مغيبة"، يضيف المرجع، مشيراً الى ان استراتيجيتها تعتمد على ضربات مستمرة تراكمية. "وقلة الشغل" أحيانا "شغل" بالنسبة الى المرجع كما حصل بموضوع الاجور، لكن هذا لا يعني ان المعارضة لا تأخذ في الوقت عينه حاجات المواطنين ومصالحهم ومصلحة الدولة في الاعتبار، لافتا الى ان "المعارضة تكون هكذا مسؤولة ومدركة لحقيقة الاوضاع وما هو الممكن".
ماذا عن المرحلة المقبلة في ضوء استحقاق تمويل المحكمة؟
يجيب المرجع أن المعارضة، خلافا لما يشاع عن غياب التنسيق في ما بينها، على تواصل دائم ودوري بين قياداتها وتعقد اجتماعات اسبوعية او شبه اسبوعية ولكن بعيدا من الاعلام، علما ان الاتصالات اليومية لا تنقطع انطلاقا من أهمية الملف المطروح. ويلفت الى ان نجاح المعارضة في الضغط على الحكومة في ملف الكهرباء يعود الى التنسيق الدقيق والمباشر في ما بين أطرافها، والامر نفسه ينسحب على الملفات الاخرى التي تعمل عليها المعارضة على خطوط موازية. ففي الشأن السياسي، ثمة ترقب ومتابعة دقيقة لكل ما يتعلق بالمواقف الحكومية من المحكمة وتمويلها وسيكون للمعارضة تحركها عند اقتضاء الامر. اما في الشأن الاقتصادي والاجتماعي، فإن العمل جار في شكل كثيف على اعداد الملفات المتعلقة بمتابعة موضوع الكهرباء الذي – للمفارقة – خرج من التداول الاعلامي بعد اقرار القانون، وايضا ملفات الاتصالات والضمان والبطاقة الصحية والموازنة التي سيكون للمعارضة كلمتها فيها.
" ليست المسألة في الضجيج"، يضيف المرجع، ولو لم تكن المعارضة فاعلة لما رأينا الاستهداف الشخصي لكل من رئيس "المستقبل" الرئيس سعد الحريري حتى وهو خارج البلاد وبعيد من الاعلام، والرئيس فؤاد السنيورة الذي يشكل اليوم رأس حربة في المعركة المفتوحة في وجه "المستقبل". ولكن هل يبرر هذا بقاء الحريري في الخارج في ظل ما يتردد عن أخطار أمنية تتهدده معطوفة على أزمة مالية تدفعه الى التفرغ لمعالجتها؟
لا ينفي المرجع ان الخطر الامني على الرئيس الحريري قائم، وهو لم يتغير منذ تاريخ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، علما ان وجوده في الخارج يجب أن يشكل فسحة مريحة لأركان الحكومة كي يتولوا ادارة البلاد كما رغبوا بعدما أعاقهم وجوده في السلطة عن ذلك.
اما المسألة المالية، فأكد المرجع أنها لا تشكل أولوية ولا يمكن التوقف عندها، علما أنه كان ثمة نقص في السيولة ولكن ليس في الملاءة، وتمت معالجته.
أما انفتاح الرئيس السنيورة على رئيس الحكومة فيضعه المرجع في اطار التواصل من موقع المسؤولية السياسية والنيابية لرئيس الحكومة الاسبق، مشيرا الى ان التنسيق والتواصل في ملف الكهرباء ساهم في تحسين الاداء الحكومي وليس التواصل في المرحلة الراهنة الا في هذا الاطار، خصوصا ان الملفات المطروحة كثيرة، ولا يمكن ألا تكون للمعارضة كلمتها فيها.
وماذا عن القرار الاكثري برفض التمويل مع قرب انقضاء مهلة سداد لبنان حصته؟
يجيب المرجع بالقول:" لن يكون هناك مفر من المحكمة ومواجهة الحقيقة والامر الواقع".
وكيف ستتصرف المعارضة وما خطتها لتأمين التمويل؟ يجيب: "لا يزال الوقت مبكرا للكشف عن خياراتنا. نحن نترقب وننتظر الى أن يتبدى المشهد الحكومي الرسمي ويقول رئيس الحكومة ما في جعبته لتأمين التمويل انطلاقا مما التزمه تجاه المجتمع الدولي".
وفي حال الترقب، يطرح سؤال نفسه: هل أن معارضة بهذا الاسلوب تسقط الحكومة؟
"صحيح أن هذا هو هدف المعارضة ولكن لا يبدو ان سقوط الحكومة متوقف علينا، فهي بمكوناتها وظروف نشأتها جاءت نتيجة زواج مخالف للطبيعة. ولا يكفي حرص مكوناتها على استمرارها ليمدها بالاوكسيجين كي تستمر. فحياتها باتت رهنا بتطور الظروف التي أملت قيامها".