#adsense

كفّة الميزان

حجم الخط

صارت أيّام الجمعة من كل أسبوع تشبه الميزان الثقيل الحامل في كفّتيه أثقال جبال، هي بالمعنى السياسي الراهن المتغيّرات الجذرية الحاصلة في دنيا العرب ومدارهم، كما لم يحصل سابقاً على مدى العقود الستة الماضية.

لا توازي أثقال ذلك العصف، إلا تلك التي تمخّضت عن نكبة العام 1948. والتي تحكّمت ولا تزال بالجزء الأكبر والأعم من مجمل "الحياة" العربيّة، وخصوصاً في دول الطوق.. تحكّمت بتفاصيل العيش كما بجملته. وبالمصائر الأخيرة كما بالعاديات اليومية الصغيرة. أجيال شبّت على ذلك الوقع، وربطت قصداً أو عفواً، مباشرة أو مواربة، أساسياتها وفرعيّاتها بذلك النزاع، ولا تزال إلى حدّ كبير.

والحاصل هو أنّنا منذ الأيّام الأولى لهذا العام الاستثنائي، أسرى تفاصيل وعموميّات الثورات العربية الضاربة خضرة في يباس مفاصل أنظمة، قانونها الأوّل والأخير العسف والاستبداد. وأسرى قراءات في الآتي منها وبعدها. وفي تلك القراءات تختلط الانتماءات والعصبيّات بالتمنيّات وتنتج إلى حد بعيد، شيئاً هجيناً لا يُفهم أصله من فصله، ولا وقائعه من تسريباته، ولا حقائقه من أوهامه وفبركاته.

بعض ذلك الهيجان النظري يُسمى عند أعلام الممانعة والمناتعة والمكابرة مقالاً أو تحليلاً، يدّعي قراءة ناشفة لا غرض فيها ولا رطوبة توجيهية وتمويهية.. والمصادفة السعيدة هي أنّ مجمل تلك التحليلات تخلص منذ فترة وجيزة إلى تعميم فكرة خروج النظام السوري من دائرة الخطر تبعاً لصموده على مدى الأشهر الستة الماضية في وجه "مؤامرة" خارجية تركّزت عند الأطراف، فيما بقي المركز، في دمشق وحلب خارج ذلك المنحى التآمري، وأمكن بالتالي البناء على تلك المعطيات للقول إنّ السلطة حمت النظام، وأنّ هذا عائد لتكسير كل أعداء سوريا أينما كانوا..!

لكن، من جديد ومرّة أخرى، كان لجمعة الأمس قراءة مختلفة تماماً. فيها أنّ التظاهرات زادت وتركّز جزء منها في قلب دمشق نفسها (منطقة العسالي) وفي ريفها كما كان يحصل على مدى الأسابيع والأشهر الماضية. كما أن حلب الشهباء شهدت تطوراً (ليل الجمعة) غير مسبوق تمثّل بتظاهرة أُحرق خلالها العلم الروسي أمام قنصلية روسيا في قلب المدينة.

"تفاصيل" صغيرة متفرّقة لكنها حرزانة. وفي جمعها تأكيد أنّ جُمعة سوريا ميزان شفّاف يختصر كل كلام، ويردّ على كل تسريب. ويؤشّر بوضوح لا لغط فيه، إلى الكفّة المائلة باطّراد وثبات باتجاه تغيير لا لُبس فيه!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل