من أصل 1360 عنصرا امنيا موزعين على 800 ينتمون الى امن الدولة، و830 للامن الداخلي، ستتمكن "الخطة الطموحة" لوزير الداخلية مروان شربل من "توفير" نحو 230 عنصرا، وسحبهم من حماية شخصيات لتوزيعهم على مفارز السير، على امل ان يؤدي هذا الاجراء الى مرور السيارات في العاصمة والمدن دون انتظار ودون حرق الاعصاب.
"الخطة الطموحة" التي لم يتجرأي وزير للداخلية على التفكير فيها منذ أن بدأ مسلسل الاغتيالات وما تلاه من حصار للنواب والوزراء ورؤساء الاحزاب في فنادق العاصمة، أو في المنافي، تجرأ عليها شربل واتخذ القرار، متناسيا ان سلفه الذي فكر في نزع الحمايات الامنية عاد بعد تأمل قصير الى طي الملف، ربما لأن الاحداث الماضية دلّت على ان كل من إتخذ هذا القرار وضع في خانة الاتهام بعدم التبصر، أو بسوء النية.
وفي الحالتين تكون النتيجة واحدة: مَن يساهم في كشف الشخصيات المستهدفة يتحمل مسؤولية أمام الرأي العام، أيا كانت مقاصده او أهدافه.
من هذه الزاوية، لا يمكن أي مراقب أن ينسى مثلا، ان القرار بتخفيف الحراسة الرسمية عن الرئيس رفيق الحريري أيام تولي اللواء علي الحاج قيادة قوى الأمن الداخلي، كان مؤشرا خطيرا توجس منه الحريري، ليس لأنه لم تكن لديه الامكانات لتوظيف مئات رجال الحراسة المدنيين، بل لأنه اعتبر بحسه السياسي أن وجود قوى الامن الداخلي بالبذلات الرسمية حوله يعني وجود غطاء امني رسمي.
ولم تكن مفارقة لافتة ان يرسل الرئيس السابق اميل لحود لرئيس للحريري فور معرفته بسحب الحراسة عنه مَن يقول له: "إختر العدد الذي تريده من الحرس الجمهوري، وأنا ارسله لك"، ليجيبه الحريري قائلا: "استطيع ان اوظّف العدد الذي اشاء لحراستي، لكني اعرف ما معنى الحماية الرسمية، وفي كل الحالات اشكرك، والرسالة وصلت".
لم يكن لحود يبالغ، عندما وصف من إتخذ ذلك القرار بالمجنون، ولن يكون قرار تخفيف الحمايات اليوم أقل وطأة في ظل تزايد الأخطار الامنية التي لا تزال تحيق بالطرف الذي تعرض رموزه للاغتيالات ومحاولات الاغتيال.
ويتساءل المراقبون عن خلفية اتخاذ هذا القرار وعن الذي رسم له وشجّع عليه، خصوصا ان قرارا بهذه الحساسية لا يتخذ الاّ بعد دراسة ومشاورات واتصالات، ولا يمكن وزير الداخلية في حكومة اللون الواحد ان يتفرد وأن يستنسب حتى لو كانت له الصلاحية القانونية. فسحب الحمايات يؤدي الى انكشاف فريق 14 آذار وحلفائه امنيا، لأن هذا الفريق لا يملك القدرة على حماية نفسه، خصوصا وان بعض رموزه تعرضت للتهديد السافر باجتياح مقارها، كما في حالة رئيس حزب "القوات اللبنانية" الدكتور سمير جعجع، كما ان الرموز الأُخرى تحتمي باجراءات امنية مشددة بواسطة قوى الامن الداخلي وأمن الدولة.
هذا، في حين لا تحتاج قوى 8 آذار الى الحماية الرسمية المكثفة، نظرا لقدرة حزب الله وحلفائه على الحماية بما تتضمن من أمن وقائي وغير وقائي، علما أن رموز هذا الفريق، تمتع بالحماية الامنية الرسمية ذاتها.
وفي المعلومات ان العناصر الـ230 الذين سيُسحَبون من حماية الشخصيات سيتم انتزاعهم من بعض النواب والمقار والشخصيات التي لا تحظى بالحماية، وسيستثنى من الإجراءات الرئيس امين الجميل (53 ضابطا وعنصرا) وليد جنبلاط (43 ضابطا وعنصرا) سمير جعجع (36 ضابطا وعنصرا) وميشال عون (33 ضابطا وعنصرا) فؤاد السنيورة (53 ضابطا وعنصرا ) سعد الحريري (120 ضابطا وعنصرا)، كما سيستثنى كل من النائب مروان حمادة ومي شدياق وقضاة المحكمة الدولية. ومَن ستسحب منه عناصر الحماية هم النواب والشخصيات المحمية بواسطة أمن الدولة، إذ انه وبموجب القانون فإن عناصر أمن دولة، وهناك كثير منهم مهددون، ووضعت لهم حراسات اضافية، سيتم سحبها، كما ان سحب الحماية سيطاول الامانة العامة لفريق 14 آذار وكتلة "القرار الحر" في زحلة وبعض المقار الحزبية.
ويبقى السؤال: هل ان توقيت القيام بهذه الخطوة كان امراً سليماً في ظل تزايد المخاوف الامنية؟ وهل أن شربل الذي لم يستمع الى نصائح بعض الضباط الذين تمنّوا عليه زيادة الحمايات الأمنية لا تخفيفها، يدرك مخاطر هذا التخفيف، وانه ليس مجرد اعادة تشكيل للقوى الامنية للاستفادة منها في أزمة السير بحيث يستطيع المواطن التوجه من الأشرفية الى الحمرا في خمس دقائق؟
الأرجح ان قرارا كهذا كانت حكومة الوفاق الوطني ستتهيب اتخاذه فكيف اذا صدر عن وزير داخلية حكومة اللون الواحد، التي تذكّر اللبنانيين بحكومة الرئيس عمر كرامي؟ وكيف إذا ادى الى انكشاف امني متزايد لقادة المعارضة، وهو انكشاف لا يمكن ترجمته الاّ محاولة شل الحركة وكمّ الافواه؟ وبالتالي ألم يكن الأسلم ان يُطبّق هذا القرار على الجميع، أو أن لا يطبّق ابداً، خصوصا وأن فريقا واحدا إستُهدِف منذ العام 2005 وحتى اليوم، وان المستهدفين كانوا من الوزراء والنواب والاعلاميين؟