كتب معروف الداعوق في صحيفة "اللواء":
عندما اتخذ الرئيس السوري بشّار الأسد بالاتفاق مع طهران قرار إسقاط حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري نهاية العام الماضي، على خلفية رفض رئيسها الانصياع لرغبات رأس النظام السوري بإنكار المحكمة الدولية الخاصة بملاحقة المتهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقطع كل صلات الحكومة اللبنانية وتعاونها معها لمنعها من متابعة مهماتها وملاحقة المجرمين القتلة، كان يستند في قراره هذا إلى تفوّق حلفه مع إيران على قوة دول عرب الاعتدال وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية وإلى سطوة سلاح حليفه "حزب الله" في قلب وقائع الموازين السياسية المنبثقة عن انتخابات العام 2009 النيابية، آملاً أن يؤدي هذا الانقلاب الفوقي إلى تحقيق أهداف النظام السوري الدائمة في إعادة الاستئثار بمفاصل السلطة اللبنانية وتكريس معادلة الهيمنة على لبنان من جديد بمعزل عن وجود القوات السورية التي اضطرت للانسحاب قسراً من لبنان بعد اتهام النظام السوري بمسؤوليته في ارتكاب جريمة اغتيال الرئيس الحريري في شباط 2005 وإزالة كل المفاعيل السياسية وموازين القوى السياسية المستجدة بعدها من جهة وإلى تعطيل كل مفاعيل إنشاء المحكمة الدولية وشلّ عملها وإجهاض كل قراراتها من جهة ثانية، على أن يؤدي فرض الواقع الجديد بالقوة إلى توجيه رسالة واضحة للخارج وتحديداً الولايات المتحدة واوروبا عموماً بان دمشق بالتحالف مع طهران طبعاً، هي البوابة الاساسية والوحيدة في كل ما يتعلق بالداخل اللبناني ومتفرعاته الاقليمية، إن كان بالنسبة للصراع مع اسرائيل او اللعبة السياسية الداخلية، او وضعية <حزب الله> وغير ذلك من المسائل والقضايا المترابطة بالوضع العام في المنطقة والعلاقات مع الغرب.
ولكن حسابات الحقل السوري لم تنطبق على حسابات البيدر العربي والعالمي، وفجأة بدأت موازين القوى العربية والاقليمية تتهاوى تدريجاً بعد تمدد الثورات العربية الى داخل ملعب النظام السوري الذي لم يحسب مثل هذا الحساب على الاطلاق استناداً الى قوة سطوته الديكتاتورية على ابناء الشعب السوري وممارسته سلطة الحديد والنار التي لم تنفع في تخفيف حدة انتفاضة الشعب السوري واتساع رقعتها حتى باتت تعم كل انحاء سوريا بالرغم من استعمال كل وسائل القمع الدموي لاخمادها حتى اليوم، وبات النظام بحاجة لمن ينقذه من ورطة السقوط التي لم يحسب لها حسابا من قبل، واصبح نفوذه على الداخل اللبناني يرهق حلفاءه الذين تبوؤا السلطة، إستناداً الى قوته وليس الى ضعف سلطته التي تتآكل يوماً بعد يوم بفعل استمرار الانتفاضة الشعبية واتساع التأييد العربي والعالمي لها.
وهكذا، وبين ليلة وضحاها، وجدت القوى السياسية المتحالفة مع النظام السوري وطهران مع القوى السياسية السائرة في ركابها قسراً تحت طائلة الترهيب حيناً والترغيب بتولي السلطة حيناً آخر، نفسها في الحكومة البديلة لحكومة الوحدة الوطنية السابقة، أسيرة الواقع السياسي والامني المستجد في سوريا والذي لم تحسب له حساباً لدى انضوائها تحت سقف التحالف الجديد، وهو الواقع الذي إنعكس سلباً على تشكيلة الحكومة ككل، وأثر على علاقات اطرافها المتناقضة في إبطاء انطلاقتها وتخبطها المتواصل في اتخاذ القرارات وضعف ظاهري في ممارسة السلطة وادارة الشؤون العامة في البلاد.
ولم يقتصر الامر عند هذا الحد، بل تتوالى فصول تداعيات استمرار الانتفاضة السورية على مسيرة الحكومة تباعاً ومن دون توقف، وكلما اشتد ضغط هذه الانتفاضة على النظام السوري، يلاحظ بوضوح تأثيرها المباشر على الواقع اللبناني وعلى وجود الحكومة اللبنانية وتركيبتها ككل واعادة تموضع بعض القوى المشاركة فيها، ككتلة النائب وليد جنبلاط التي بادرت الى التمايز عن سائر القوى السياسية في الحكومة واتخاذ موقف واضح من الانتفاضة السورية تحديداً والتعاطي بنظرة مختلفة مع بعض المسائل والقضايا الاساسية المطروحة كمسألة تمويل المحكمة الدولية والملفات المعيشية والاجتماعية المطروحة، في حين تجنح قوى أخرى مشاركة في الحكومة كالرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي وحلفائهما الى إعادة تموضعهما من جديد عبر إبقاء خطوط التواصل مفتوحة على مصراعيها مع المجتمع الدولي وتكرار التأكيد بتمويل المحكمة الدولية خلافاً لرغبات التحالف السوري – الإيراني الذي يضغط لمنع الحكومة من الايفاء بالتزاماتها في هذا الخصوص.
يضاف الى ذلك، إزدياد التنافر القائم بين المشاركين في الحكومة مع كل يوم تتداعى فيه سلطة النظام السوري على الاطراف المتحالفين معه في لبنان، فبعدما كان الحديث يدور همساً حول الخلافات القائمة بين اطراف الحكومة والمشاركين فيها، أصبح الخلاف علني وبشكل مباشر، كما يحصل بين رئيس الحكومة والتيار العوني وبين رئيس الحكومة وحزب الله ايضاً والآن يلاحظ ان حدّة الخلافات بين وزراء ونواب كتلة النائب جنبلاط وبين النائب ميشال عون وتكتله بدأت تأخذ منحى تصاعدياً بدءاً مما طرح حول ملف تمويل الكهرباء ومروراً بتمويل المحكمة الدولية والانتقادات حول قضايا وملفات الفساد التي يدعي التيار العوني انه في صدد كشفها ومكافحتها، في حين ان رئيسه وبعض وزرائه ونوابه متورطون في قضايا فساد عديدة قبل غيرهم.
فبعد اقل من عام بقليل تقريباً على إسقاط حكومة الوحدة الوطنية، بدأت معالم المشهد السياسي تتغير بالتزامن مع تطور واتساع رقعة الانتفاضة السورية، والاهم من كل ذلك ان مخطط إسقاط وافشال المحكمة الدولية الذي يقوده النظام السوري بدأ يتهاوى ويضعف، في حين اصبحت المقرات الآمنة للمتهمين في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري تضيق وتصبح غير آمنة، بينما تضغط التطورات المتسارعة في سوريا على الحكومة ككل وتهدد استمرارها بالرغم من كل الايحاءات بأنها لن تتأثر بالحدث السوري او بمعضلة عدم تمويل المحكمة التي باتت تقض مضاجع رئيسها وحلفائه وتنذر بمضاعفات مع المجتمع الدولي وعلى الواقع السياسي والشعبي على حدٍ سواء.