تحت غطاء ما يُسمّى بـ"الأمن العام"، أصبح "حزب الله" الآمر الناهي والحاكم المطلق في ما يخص النشاطات الثقافية التي تُقام في لبنان. فالحزب "الإلهي" لا يكتفي، لن يكتفي، ولم يكتفِ من إرهابه المسلّح حين روّع اللبنانيين في "7 أيار" الشهير في بيروت والجبل. ولكن الحبل على الجرار، بعد الإرهاب المسلّح إرهاب فكري هدفهُ تغيير وجه لبنان الحضاري التنوّعي!
فبعد منع الكوميدي الفرنسي العالمي من أصل مغربي جاد المالح من عرض مسرحيته ضمن مهرجانات بيت الدين الدولية بحجة أنه يهودي في العام 2009، وبعد منع عرض فني راقص لفرقة "سامبا" برازيلية في مدينة صور في العام نفسه بحجة أنه يتنافى مع الدين والأخلاق الإسلامية، وبعد منع عرض فيلم المخرجة الإيرانية هانا مخلباف "أيام خضراء" بحجة أنه ينتقد نظام الحكم في إيران، إضافةً الى منع فيلم الكرتون "بيرسيبوليس" للمخرجة الايرانية مارجان ساترابي من العرض في الصالات اللبنانية بناء على رغبة حزب الله أيضاً، ها هو المنع يطال مجدداً فيلماً آخر بعنوان "أحمر أخضر أبيض" للمخرج الايراني نادر داوودي الذي مُنع حتى من السفر الى لبنان وأُلغيت مشاركته في "مهرجان بيروت السينمائي".
السفارة الإيرانية في لبنان باتت تلعب دور الأمن العام اللبناني، فهي من قررت منع دخول داوودي إلى لبنان ومشاركة فيلمه في المهرجان بحجة أنه يثير النعرات المذهبية والوطنية. وهنا كمواطنين لبنانيين من حقنا أن نسأل: أين الدولة اللبنانية؟ لماذا يجب أن يكون هناك جهة رقابية خارجية "مرشدة" تسمح لها بعرض فيلم أو سواه؟ وهل سيطرة حزب الله على الحكومة اللبنانية وعلى قرارها الاستراتيجي وعلى أراضٍ ليست ملكه تحت حجة "المقاومة" هي بداية لتغيير وجه لبنان التعددي التنوّعي الثقافي؟؟؟
لقد بدأت جماعة "ولاية الفقيه" في لبنان بتطبيق رقابتها الدينية اليوم على الأفلام والعروض الفنية، كما أنها سمحت لنفسها بمراقبة طريقة مأكل ومشرب اللبنانيين، اذ منعت بيع الكحول في بعض المناطق وقام "أبطال الحزب الإلهي" بالتهجُم وحتى بتهديد بعض أصحاب المحال التجارية. فهل سنصل يوماً ما الى حدّ تدخُل "حزب الله" بأسلوب لباسنا؟ فيمنعنا مثلاً من ارتداء ربطات العنق لأنها من صنع الغرب "الامبريالي الصهيوني"…
أين يعيش مسؤولو "حزب الله" يا تُرى؟ ألا يعلم هؤلاء ان كلّ ممنوع مرغوب؟ فاليوم في ظل وجود الانترنت وأقراص الـDVD المهربة بإمكان أي لبناني مشاهدة أي فيلم ايراني أو سواه بكبسة زر. ألم يتنبّه "الحزب" الى أن الـFacebook أشعل ثورات الربيع العربي من المحيط الى الخليج؟؟؟
الدولة اللبنانية في خطر! وها هم اللبنانيون يسألون: أين الدولة ؟ أين هيبتها؟ ألا يُدرك وزراء الثقافة والإعلام والسياحة أن مثل هذا المنع الذي حصل يضر بسمعة لبنان السياحية وينعكس سلبياً على وجهه الحضاري والثقافي؟ ألا يُعتبر منع ادخال بعض الأفلام أو العروض الفنية بعد طلب أي سفارة من السفارات مسّاً بالحريات في بلد التعايش والانفتاح؟
الخوف كلّ الخوف أن يتحوّل هذا الالغاء القسري لأي فكر وثقافة مغايرة الى مؤشر ومقدمة لاجراءات تمسّ الحريات الفردية والعامة، والذي من شأنه بالتالي ان يدفع بلبنان ليكون بلداً تابعاً للأمة الإسلامية فتسري عليه اجراءات القمع والتحريم المطبقة في إيران.
ان حق الجميع بالتعبير عن الرأي هو ما يكفله الدستور اللبناني. فقمع وإرهاب "حزب الله" الفكري والمسلّح هما أكبر مخالفة لدستورنا! ولكن لبنان كان وسيبقى بلد التعددية والانفتاح والحضارة والديمقراطية والفن والحياة كريمة، شاءَ من شاء وأبى من أبى!
برنارد رزق