منذ بداية التدخل السوري في لبنان، وطوال ثلاثة عقود، لم يجرؤ اي مسؤول منتخب أو غير منتخب، ولا اي موظف، على أن يرشق نظام الوصاية واجهزته ولو بوردة. ومنذ 2005، بعد الانسحاب السوري، اعتبر فريق من اللبنانيين ان الوضع تغيّر وأن البلد الرهينة عاد الى أهله، فيما أصرّ فريق آخر على أن سلطة الوصاية لا تزال قائمة بدليل أنها تؤمن استمراريتها بواسطته.
للمرّة الأولى أثبت اللواء أشرف ريفي أن المسؤول الأمني يستطيع ان يقوم بواجبه بمعزل عما إذا كان سيحصد رضا سوريا وجماعتها أو غضبهم. واقعياً، أدى ريفي عمله، كما دائماً، وفقاً للقانون وفي حدود صلاحياته، وهو لم ينبرِ يقول ما عنده بحثاً عن بطولة أو شعبية بل لم يفعل ذلك في أي ملف، لكن حين سئل في اللجنة النيابية عما توصل اليه التحقيق في اختفاء مواطنين سوريين في لبنان، أجاب ان نظام دمشق اختطفهم وان السفارة السورية في بيروت ساهمت في الخطف.
تريدون الحقيقة في أمر ما، لمجرد تداولها همساً في الصالونات، والبحث عن أفضل أو "أسلم" طريقة للتكتم والالتفاف عليها، أم تريدون من المسؤول الأمني أن يصطنع الحمق والجهل فيقول إن جهازه يعجز عن معرفة ما يجري حوله، أي انه ناقص الكفاءة، وبالتالي يتساوى في وضعه أن يُعتمد أو لا يُعتمد عليه، فهو موجود كأنه غير موجود، كما أرادته سلطة الوصاية أن يكون سابقاً ولاحقاً؟
هناك ملفات كثيرة أخفيت حقائقها عن اللبنانيين، أو اقتيد فيها التحقيق عمداً الى لا مكان. خذوا مثلاً قضية الموقوفين/ المفقودين اللبنانيين في سوريا. كان الاتكال دائماً على ما تجود به "الشقيقة"بخصوصهم. وقبل الانسحاب السوري وبعده تصرّفت الأجهزة اللبنانية كأنها غير معنية بحقيقة مصيرهم بمعزل عما تفصح عنه دمشق، وكأنهم ليسوا مواطنين يفترض، بحسب القوانين، ان هذه الأجهزة مكلفة – على الأقل – معرفة أوضاعهم بل هي مسؤولة عن حقوقهم وحقوق عائلاتهم.
بدت الجهات المعنية، من رئاسة وحكومة ووزارات مختصة، وقد اختارت ان تكون – بعد قنبلة اللواء ريفي – صمّاء عمياء بكماء، اي لا معنية ولا مختصة، مخافة استفزاز "الشبيحة" داخل مجلس الوزراء وخارجه. انهم يخطفون الناس والسفارة السورية في بيروت متورطة، لكن أحداً في بيروت لا يريد ان يواجه الفضيحة. انهم يعتدون على المتظاهرين أمام السفارة، بل يقتلون الناس على الارض اللبنانية، ولا احد يتحرك او يجرؤ ولو بمجرد استنكار.
هذه، إذاً، الحكومة المناسبة في الوقت المناسب لسوريا، فهي جاءت بها ونصّبتها لكي لا تحرك ساكناً. ماذا لو لم نكن قد شهدنا حتى الآن سوى عينة صغيرة مما سيحصل؟ ماذا لو بدأ قتلة سوريا وأذنابهم القتلة اللبنانيون تنفيذ تهديداتهم للبنانيين المؤيدين للانتفاضة السورية؟ لا أحد يتوقع من الحكم والحكومة ان يحميا أحداً، ليس عجزاً وإنما لأنهما رهنا ارادتهما عند سلطة الوصاية ووكلائها. لا شك أن سكوت الحكم والحكومة عن استباحة الحدود والأرض سيؤدي عاجلاً أو آجلاً الى استباحة اللبنانيين.