لا شكّ في أنّ وقائع الأسابيع الماضية ستفرض نفسها على "لقاء سيّدة الجبل 8".
فالإنحراف الذي كشف عن نفسه اخيراً لجهة تناول قضايا الشعوب من جهة، وقضايا المسيحيين من جهة ثانية، من زاوية "حلف الأقليّات" هو انحراف خطير للغاية. اولاً لأنه يعمد إلى الخلط بين الأقليّات المضطهَدة بفتح الهاء والأقليّات المضطهِدة (بكسر الهاء)، وثانياً لأنّه ينازع أمام مخاض حيويّ تاريخيّ يشمل عموم المنطقة ويشارك في الإعتداء على الأحرار الثائرين على الإستبداد لا سيّما في سوريا. وثالثاً، هو انحراف يعزل المسيحيين ليس فقط عن تاريخهم في المنطقة (المساهمات النهضوية والتنويريّة) وعن حاضر الربيع العربيّ فيها، بل يعزلهم عن العالم المسيحيّ، والقيم الأساسية التي انتصرت في مجتمعات العالم المسيحيّ (الديموقراطيّة التمثيلية وحقوق الإنسان).
وفي المقابل، يبرز صنف آخر من الوقائع، تمتد من مجزرة سيدة النجاة في بغداد إلى مذبحة ماسبيرو مؤخراً، وهذه الوقائع لا بدّ من التعامل معها بمنتهى الجديّة والصراحة، فكما لا يمكن أن تحجب قضية "الأمان" قضية "الحريّة"، لا يجوز تمييع قضية "الأمان" بحجة "الحريّة"، و"الأمان" ما زال إشكالية أساسية على جدول أعمال كل جماعة مسيحيّة في هذا الشرق، كما على جدول أعمال مسيحيي الشرق بعمومهم، والجديد الذي حان التأسيس له الآن هو تحويل قضيتي الأمان والحريّة إلى قضية جامعة على المستوى المسيحيّ الإقليميّ، للقبط والروم والموارنة والأشوريين والكلدان والسريان والأرمن والإنجيليين واللاتين.
فلا مكابرة على أنّ كل منعطف تاريخيّ وأيّاً كانت وجهته النهائية انما يفرض تحدّيات مضاعفة على الأقليّات العددية والحضاريّة. وهذا مع حدث مع الانتقال من الزمن العثماني إلى الزمن الكولونياليّ، ثم من الزمن الكولونياليّ إلى الزمن العسكريتاريّ، وهذا ما يعيد ليطرح نفسها مجدّداً مع الإيذان بدخول العصر الديموقراطيّ.
بشكل تاريخيّ شامل يمكن القول إنّ انبثاق وتعميم نموذج "الدولة الأمّة" كان كارثيّاً بالنسبة إلى التعدّدية الثقافية والدينيّة في بلدان كثيرة، داخل وخارج أوروبا، فجلب انحسار السلطنة العثمانية ثم تفكّكها ثم زوالها عملية فرز واسعة النطاق: البلدان التي انبثقت عن السلطنة في البلقان، شأن اليونان الحديثة وبلغاريا ورومانيا، فرضت هجرة واسعة النطاق لمسلميها في إتجاه الأناضول. وفيما المقابل لم تولد الدولة التركية الحديثة إلا على حساب الشعب الأرمنيّ والتعايش التركي اليونانيّ في الأستانة وإزمير وغيرها. والدولة الأمّة التي أقامتها الملكية في العراق ترجمت نفسها في بداية الثلاثينيات مأساة مسيحيّة وتحديداً أشورية (مذبحة سميل 1933). في حين، أنّ سلالة محمد علي في مصر استطاعت التعامل بشكل ممتاز تاريخيأً مع التنوع الدينيّ والكوزموبوليتية، إلى أن تكفّلت المرحلة العسكريتارية باللازم، فضربت كوزموبوليتية الشوّام واليونانيين والإيطاليين، وساهم الصراع العربي الإسرائيلي بدورهم في سحب البعد اليهوديّ من هذه الكوزموبوليتية، وأيضاً ساءت حال الأقباط. وفي سوريا، لا شيء يقارن بين فاعلية وحيوية الوجود المسيحيّ في أيّام الديموقراطية البرلمانية ذات البعد الفرانكوفونيّ وبين حصر الوجود المسيحيّ في النطاق "الليثورجيّ" فقط في الزمن البعثيّ، بل والتضييق عليه من هذا الجانب أيضاً، من خلال "التعريب القسريّ" (محاربة الثقافة السريانية والآرامية، فضلاً عن اجتثاث الفرانكوفونية)، ناهيك عن نظام الخوف والبطش المعممين على كلّ فئات المجتمع من قبيل العصبية الغالبة.
هذا الزمن العسكريتاريّ ينتهي الآن، وبانتهائه ستفرض تحديّات جديدة. فنموذج "الدولة الأمّة" لا مناص منه في خاتمة المطاف. إنّما هذه المرة بتصالحه مع الكيانية الوطنية القائمة، بعد إعادة تشذيب هذه الكيانية وصقلها بالمضامين الديموقراطية اللازمة. وتضاف إلى ذلك الضرورة القصوى لإحياء التعدّدية الكوزموبوليتية، تلك التي كانت للإسكندرية مثلاً قبل ثورة 23 يوليو، والتي كانت لدمشق وبغداد حتى وصول الأنظمة البعثية، والتي كانت لبيروت حتى اندلاع الحرب الأهلية. فالكوزموبوليتية ضرورة حيوية للوصل بين مسيحيي الشرق ومسلميهم، وبين الشرقيين مسلمين ومسيحيين وبقية العالم. وأخطر ما يروجه أعداء الربيع العربي حالياً تحت شعار "حلف الأقليات" هو تقوقعهم ضدّ الكوزموبوليتية.
على صعيد آخر، ليس من شكّ في أنّ التيّارات الإسلاميّة تشكّل جزءاً أساسياً من الجبهات الموضوعية العريضة للربيع العربيّ، وأنها لم تتبن كلّها الديموقراطية التمثيلية وحقوق الإنسان بالشكل المطلوب، وأن مفارقة العقود الماضية كانت تيّارات إسلامية تضطهد من قبل السلطات الديكتاتورية القائمة لكنها تطالب وفي عزّ تعرّضها للإضطهاد بحجب حريّة عامة من هنا، وحجب حريّة خاصة من هناك. كل هذا الواقع لا سبيل للمكابرة عليه، ويضاف طبعاً ان العناصر الليبرالية متواضع حجمها في جبهة الربيع، وإن كانت التيّارات الإسلامية تشكّل هي أيضاً "أقليّة" داخله، إنّما "أقلية حيويّة منظّمة"، وفي هذا اختلاف كبير.
بيدَ أنّ كل هذه الوقائع، وبدلاً من أن تدفع المسيحيين العرب إلى الانكفاء والانطواء ناهيك عن الشرّ الذي اسمه "حلف أقليّات"، فإنّها دوافع إضافية للنضال من أجل التجديد والتحرّر، على الصعيد المسيحيّ الداخليّ من ناحية، وعلى الصعد الوطنية والإقليمية جميعها من ناحية ثانية. إنّ للمسيحيين العرب دور أساسيّ في نقل الأفكار الليبرالية من دائرة "نخبوية" إلى دائرة "جماهيرية" واسعة، وعلى أساس إسلاميّ مسيحيّ مشترك، ولنا في التجربة التاريخية لـ"حزب الوفد المصريّ" في العشرينات والثلاثينات من القرن الماضي خير مثال ودليل.
لا مكابرة على التحديّات الإضافية التي يفرضها الربيع على المسيحيين إذاً. هذا ما يتوخاه كاتب هذه السطور من "سيدة الجبل". مع التذكير طبعاً بأن اللقاء يحدث بعد عام بالتمام على "سينودس أساقفة مسيحيي الشرق"، وهو سينودوس يسجّل عليه أنه انحصر في بحث "الحريّة الدينية" دون بحث "المعنى الدينيّ للإستمرار في الوجود" من جهة، ودون بحث "الحريّة السياسية" في وجه الإستبداد من جهة ثانية