تحوّل مؤتمر "سيّدة الجبل" المزمع عقده في 23 الجاري إلى حدث سياسيّ بامتياز نتيجة مجموعة عوامل أهمّها الربيع العربي والثورة السوريّة، وما صدر عن البطريرك الماروني بشارة الراعي من مواقف تعكس هواجسه وقلقه من هذه الثورات.
وقد نجح المؤتمر، حتى قبل انعقاده، في تحقيق الهدف المرجوّ من وراء إتمامه، أي إطلاق ديناميّة سياسية داخل البيئة المسيحيّة تخرج هذه البيئة من محلّيتها السياسية إلى آفاق الحراك العربي، والدليل النقاش المتجدّد داخلها حول الخيارات الوطنية الكبرى، ودور المسيحيّين ضمن إطار هذه الخيارات.
ليس الغاية من المؤتمر المقبل إنشاء حزب سياسيّ اسمه حزب "سيّدة الجبل"، ولا العودة إلى أطر مسيحيّة وترسيمات طائفية بعد الربيعين اللبناني والعربي، إنّما المطلوب هو التفاعل مع هذه الثورات التي تصنع بدماء شبابها "الشرق الأوسط الجديد"، الأمر الذي يجعل منه صناعة محلّية بإرادات وطنيّة صافية.
إنّ أحدا لا ينفي وجود عثرات وكبوات في هذه الثورات، وهذا أمر بديهيّ وطبيعي، إذ يستحيل التحوّل والانتقال من مرحلة إلى أخرى بين ليلة وضحاها من دون أثمان وتكاليف باهظة، وواهمُ مَن يظنّ خلاف ذلك، إلّا أنّ ثمّة حقيقة لا يمكن تجاهلها، ومفادها أنّ الثورات العربية افتتحت عصرا جديدا على غرار العصور القديمة والوسطى والحديثة، وهذه الحقيقة التاريخية الجديدة تؤكّد أنّ التطوّرات في العالم العربي لن تعود إلى الوراء على رغم ما قد يعتريها من تعثرات وتعرّجات، لا بل هي محكومة بالسير إلى الأمام، مهما طال الزمن أو قصر. ومن يتنشّق "طعم" الحرّية لن يرضى بالعودة إلى حياة الذل والهوان.
ومن هنا، إنّ تركيز بعض القوى على "النصف الفارغ من الكوب" الذي هو كناية فقط عن العوارض والظواهر المرافقة للثورات يجعل هذه القوى خارج سياق العصر أو الزمن الجديد، بينما المطلوب أخذ الهواجس في الاعتبار، لا تجاهلها ولا تضخيمها ولا تبسيطها، إنّما أخذها كما هي عليه، والشروع في مواكبة التحوّلات والتأثير في مجرياتها، لأنّ الخيار هو بين أن تكون الجماعة المسيحيّة في عداد اللاعبين أو المتفرّجين، وفي حال الانكفاء لا ينفع البكاء على الأطلال.
فالمهمّ في هذا المؤتمر أنّه أطلق نقاشا سياسيّا أظهر معه المسيحيّون بأنّهم في صلب التحوّلات السياسية الجارية لا على هامشها، والخيارات في هذا السياق تتراوح بين من مع هذه الثورات ومن ضدّها، ولا مكان للحلول الوسطى في هذا المجال على طريقة مع الثورات ولكنْ، بمعنى أنّه في حال إعطاء الثوّار الضمانات المطلوبة للمسيحيّين نكون معهم، وإلّا لا يمكن أن نجاريهم مع تحفّظنا في الوقت نفسه على الأنظمة الديكتاتوريّة.
فالثوّار الذين يخوضون المواجهات بصدورهم العارية و"دمهم على أكفّهم" هم الأَولى بالضمانات، لا العكس، كما أنّ مسألة "الضمانات"، بحدّ ذاتها، يجب إسقاطها من الأدبيّات المسيحيّة، كونها تنمّ عن ضعف وذمّية سياسيّة، فعلى كلّ جماعة مسيحيّة في هذا المشرق العربي أن تضمن نفسها بنفسها، بالدفاع عن ذاتها أوّلا، والمثال القبطي خير دليل على ذلك، وبأن يكون ولاؤها لبلدها أوّلا وأخيرا، وبأن تنخرط في الحياة السياسية ثالثا، وأيّ اضطهاد لها سيشكّل نقطة سوداء في سجلّ الدولة المضطهدة، والتحرّك الاستثنائي الذي قامت به الدولة المصريّة إثر "موقعة ماسبيرو" دليل أيضا على أنّ زمن الاضطهادات ولّى إلى غير رجعة.
يبقى أنّ مستقبل لبنان سيتحدّد في ضوء ما تشهده المنطقة من أحداث وانتفاضات، لا عبر انتخابات نيابيّة أو طاولة حوار سياسية، وبالتالي التغيير الذي بدأ مع انتفاضة الاستقلال لا يمكن أن تكتمل عناصره ومقوّماته إلّا بانتصار الثوّار السوريّين…
