في ذاكرة الحرب اللبنانيّة أنه في 24 أيلول 1975 أعلن رئيس الوزراء [آنذاك] الراحل رشيد كرامي تشكيل «الهيئة الوطنية للحوار»، وما أشبه هيئة الحوار في عام 2011 بتلك التي شكّلت عام 1975، وبعد أيام ثلاثة من هذا الإعلان وفي 27 أيار 1975 نقلت وكالات الأنباء العالمية عن مسؤول أميركي رافق هنري كيسنجر على متن طائرته الخاصة من واشنطن إلى باريس، قوله:»إن الوضع في لبنان مضبوط حالياً لكنه قد ينفجر إلى نوع من الحرب الأهليّة» وما أشبه الأمس اللبناني ـ القابل للانفجار مجدداً بواقع السلاح الذي يفرضه حزب الله على رقاب اللبنانيين ـ بالحاضر السوري اليوم!!
الصحف البريطانيّة تجمع محذّرة «المخاوف تتزايد من احتمال انزلاق سوريا إلى حرب أهلية، مشيرة إلى أن مئات من الجنود المنشقين يقاتلون قوات الرئيس بشار الأسد في أول مواجهة كبيرة من نوعها ضد النظام الحاكم»، الأمم المتحدة وعبر مفوضة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان نافي ميلاي من أن القمع السياسي للاحتجاجات المناهضة للنظام قد يدفع سورية لحرب أهلية شاملة»، وأخيراً «الغراب الأميركي» أيضاً يعبّر عن تشاؤمه منذراً على لسان السفير الأميركي في دمشق روبرت فورد «أن الإدارة الأميركية لديها مخاوف من حرب أهلية وطائفية في سوريا، نتيجة ممارسات القمع والعنف التي يُنفّذها النظام».
وبالرّغم من كلّ هذه التحذيرات، ساهمت جامعة الدول العربية بمهلة أيام خمسة عشر زيادة على كلّ المهل الممنوحة السابقة من باب هدر الدم والوقت، فيما الإجابة السورية المنتظرة لمقررات مجلس وزراء الجامعة معروفة، وتتسابق مواقع موالاة النظام إلى تأكيد أنها «مرفوضة جملة وتفصيلاً» مع مجمل تحفظات النظام عليها إلى حدّ اتهامها بالـ «وصاية»!!
الأسابيع القليلة المقبلة ستكون دموية جداً وفي نفس الوقت حاسمة سورياً وإقليمياً ودولياً. ففي وقت تتزايد فيه معدلات الانشقاق في الجيش السوري، وما الإعلان المتزايد أيضاً لكتائب الجيش السوري الحر وضباطه والجنود المنشقين إلى خوض مواجهات مسلحة مع قوات الأمن والجيش التي تهاجم الأهالي والمحتجين في المدن والبلدات السورية، إلا صورة ترتسم في الأفق السوري لمواجهة بين «جيشين» الأول يقتل الشعب والثاني يعلن أنه يدافع عن الشعب، ولا ينقص هذا المشهد إلى إعلان محاوره وجبهاته !!
هي معادلة قاسية فرضها النظام الحاكم: القمع والعنف والقتل ضد التظاهرات الشعبية، ولا تؤدّي كلّ هذه إلا إلى ارتفاع أعداد القتلى، بالأمس كانت الحصيلة حتى المساء قد تجاوزت 26 قتيلاً، وكلما تدفق الدم ازدادت الهوّة اتساعاً وفقد الجميع إمكانيّة العودة إلى الوراء، ولكن!!
ثمة استحقاقات اقتصادية ضاغطة وخانقة تواجه النظام في سورية باعتباره «دولة»، فبعد انهيار القطاع السياحي الذي يدرّ على البلاد ما يقارب 8 مليارات دولار في العام، جاء دخول العقوبات الأوروبية النفطيّة حيّز التنفيذ منتصف الشهر الجاري، وهذا النفط يدر على الميزانية السورية 6 مليارات دولار سنوياً، ليرفع مستوى عدم قدرة النظام على الاستمرار برغم ادعاء مسؤولين سوريين سهولة وجود أسواق أخرى فهذا مجرد كلام لا أكثر لأن النفط السوري من النوع الثقيل الذي لا توجد مصافي نفط مؤهلة لاستخدامه سوى في عدد من الدول الأوروبية.
وعندما تتناقل الأخبار مساء أمس معلومات عن حملة عسكرية يُنفّذها أربعين ألف جندي بحثاً عن الجنود المنشقين، فهذا يدفعنا إلى التصديق أن جيش المنشقين تجاوز عشرة آلالاف جندي، وإلا ما مبرّر الزجّ بهذا العدد الهائل من الجند في مواجهة مع بضع مئات، مع ملاحظة أن التظاهرات ما زالت يوميّة وزاخمة، وأن القبضة الأمنية الموهومة فشلت في قمع سوريا في رقعة جغرافيتها ومناطقها، وفشلت في ترهيب الذين تظاهروا فاستمروا في التظاهر، كلا الطرفين يخوض معركة حياة أو موت، وهذه هي الحقيقة التي لا يريد النظام أن يصدّقها، ربّما لأنه لا يعترف إلا بحياته وبقائه ولو مات الشعب السوري كلّه، لا أحد يستطيع أن يحبس تيار الماء عندما يتدفق بقوة جارفاً كلّ ما يعترض طريقة، عبر التاريخ كانت الشعوب كالطوفان، وكالسيل الجارف تقتلع كلّ ما يعترض طريقها، وهذه حقيقة ستتكشف عنها قريباً سهول سورية ومدنها وبيوتها وقراها.