كتبت ريتا صفير في "النهار": تتجه الانظار الى التداعيات المرتقبة للقرار الأخير لمجلس جامعة الدول العربية حيال سوريا، والذي قضى بتأليف لجنة وزارية عربية برئاسة قطر تتولى الإتصال بالقيادة السورية لوقف العنف والاقتتال، وعقد مؤتمر لحوار وطني شامل في مقر الجامعة بالقاهرة خلال 15 يوماً. وفي وقت تضاف المبادرة هذه الى سلة محاولات اتخذتها جهات ودول حيال دمشق، ضمنها تركيا، فان ثمة اقراراً بأن صدى ما سبق لم يتجاوز اطر "اعلان نيات" للاصلاح سوريا، ومن دون الانتقال الى التزام عملي على ما نادت وتنادي به المعارضة وكذلك المجموعة الدولية.
عمليا، يترقب المتابعون انعكاسات المبادرة العربية الجديدة التي تلي محاولة للامين العام للجامعة العربية نبيل العربي في اتجاه دمشق، بدت الى حد ما "عقيمة" في تموز الماضي. وهو ترقّب يسعى الى قياس مجموعة "ارتدادات" محتملة على الاقتراح العربي، في مقدمها قراءة النظام السوري للرسائل الجديدة وما اذا كان سيستجيب لنداءات المجموعة الدولية ام قد تدفعه التطورات الى رد فعل مغاير. ويضاف اليها مدى تجاوب المعارضة السورية حيال هذه المبادرة وسط التباينات التي تشهدها. وقد عكس هذا التوجه استعداد اطراف فيها لمحاورة النظام، مقابل رفض كلي لاخرى فتح صفحة كهذه والاصرار على مطالبتها المتكررة باسقاطه. واذا كانت الجهات المعنية بالحراك السوري تدرج المبادرة العربية في اطار سعي الى ايصال الازمة السورية الى خواتيمها سلميا، وضمن عملية اصلاحية يولدها الحوار، فلا يخفى عليها انها جاءت في الاساس مطبوعة بسلسلة مفارقات، منها الرئاسة القطرية للجنة في ظل الحساسية التي يمكن ان تثيرها هذه الرئاسة نتيجة موقف الدوحة المعروف من "الربيع العربي"، الى ردود الفعل الفورية التي ابداها السفير السوري لدى الجامعة العربية لجهة انتقاده المبادرة.
في اي حال، لا تنفي علامات الاستفهام المرافقة للتحرك العربي الاخير سلسلة خطوات تبدو مستبعدة، اقله الى الآن في نظر المعنيين. اولاها التدخل العسكري على الشاكلة الليبية، وسط مجموعة عوامل جغرافية وسياسية تجعل المقارنة بين الحالتين الليبية والسورية صعبة، وتبدو معها التداعيات التي يمكن ان تنتج من هذا التدخل غير مضمونة، في ظل عدم انتظام صفوف مجلس المعارضة السوري المنشأ في الخارج، الى الآن، وارتفاع اسهم الحروب الطائفية التي يمكن ان تواكبه. وثمة من يستشهد باحداث مصر الاخيرة. ومع تطلع الاطراف الى اجتماع المعارضة السورية المرتقب الشهر المقبل، فان التعويل يتواصل في الفترات الفاصلة على تداعيات العقوبات الاوروبية والاميركية المصوبة على النظام السوري، والتي كان يتوقع ان تضاف اليها سلة خطوات تركية مكملة الاسبوع الماضي، لولا حادث وفاة والدة رئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان، والذي تولد عنه اتصال تعزية من الرئيس السوري بشار الاسد بالمسؤول التركي.
ويبدو ان استبعاد التدخل العسكري ينطبق على آخر يشمل اي تحرك قريب في مجلس الامن بعد الفيتو الروسي – الصيني الاخير، ويعزز ذلك الحديث عن منح مساعي استيلاد حل سياسي للازمة السورية فرصة، عبر اجراء انتخابات رئاسية قريبة واحترام مشاركة كل القوى السياسية فيها من خلال اطلاق عملية سياسية جديدة، في ظل اقتناع ثابت بأن مرحلة "ما بعد الاسد" قد انطلقت.
لكن اي انعكاسات سيشهدها لبنان وسط مواصلة الحكومة واعضائها اللعب على حبال تمويل المحكمة الدولية داخليا والتوتر الايراني – السعودي اقليميا، نتيجة محاولة اغتيال السفير السعودي في واشنطن عادل الجبير؟
الواقع ان ثمة شبه اقتناع محلي وغربي بأن "عاصفة" الاتهامات والحروب الداخلية والاقليمية وتداعياتها حيال المسائل اعلاه تبدو "مضخمة" الى حد ما، بوصف معنيين، الامر الذي يبقي لبنان في منأى عنها. كما يدفع هذا الواقع بالقوى المواكبة لتدعيم الاستقرار الى مضاعفة جهودها في هذا الاتجاه. وهذا الاقتناع يرتكز في نظر الجهات المتابعة على استمرار "حكمة" الديبلوماسيتين السعودية والايرانية وقدرتهما الاستيعابية، فضلا عن مواصلة "انضباطهما" ضمن سقف معين على ما اثبتته المراحل الماضية. والتوجه عينه ينطبق على ارتفاع منسوب التهديدات المرافقة للمفاوضات الجارية حول ملف اقليمي مستجد، والمتمثل في التنقيب عن النفط والغاز. فرغم زيارة الوفد اللبناني الرسمي لقبرص لمتابعة التفاوض حيال الاتفاق الثنائي تمهيدا لابرامه، يتواصل التعويل على الدعوات لعقد اجتماعات "تقنية" للاطراف المعنيين من اجل بت الخلافات وتفادي تداعيات المبادرات الاحادية حفاظا على مصالح كل الاطراف، وانطلاقا من اهمية الملف في تعزيز التطور الاقتصادي والاجتماعي لدول المنطقة.