في معظم الدول العربية التي اندلعت فيها الثورات الشعبية، كانت الحاجات المطلبية المتعلقة بالعمل والاجور والغلاء والبطالة، جزءاً من مطالب اخرى يأتي في مقدمها التوق الى الحرية والحياة الديموقراطية وكرامة الانسان وتداول السلطة ووقف الفساد ونهب الثروات الوطنية او التفريط بها، الأمر الذي يختلف فيه الوضع في لبنان بنسبة كبيرة، ولذلك فان الشعارات التي رفعت في التظاهرات المليونية في 14 آذار 2005 وبعد هذا التاريخ، تركزت على المطالبة بالسيادة والحرية والاستقلال ورفع الهيمنة السياسية والامنية، ووقف اعمال القمع والقتل والاغتيال، ولم يكن للحاجات المطلبية اي مساحة في تلك الفترة من تاريخ لبنان الحديث، لأن تحرير الانسان تقدّم على لقمة العيش، في حين ان النظام السابق لانتفاضة 14 آذار، والذي استنسخ مجدداً منذ مائة يوم بحكومة نجيب ميقاتي كان شعاره دائماً الامن قبل الرغيف، وقبل الحرية وقبل السيادة، وقبل الانسان، ولكن حكومة ميقاتي العاجزة منذ تشكيلها عن مواجهة اي مشكلة، عجزت ايضاً، ليس عن توفير الحريات، والسيادة، والاستقلال، والقرار الوطني فحسب، بل حتى عن توفير الامن والسلامة للمواطنين في بيوتهم واعمالهم وطرقاتهم وارزاقهم وحتى في لقمة عيشهم التي تآمرت عليها مع الاتحاد العمالي العام بالطريقة الشنيعة التي اعتمدتها في زيادة الاجور، والتي تصرّ عليها، بالرغم مما سوف تسببه من خضّات اجتماعية مدمّرة.
يمكن التأكيد بأن القرار السياسي الوطني الشجاع، الذي يجب على هذه الحكومة ان تتخذه، من رئيسها الى اصغر كتلة وزارية فيها، هو قرار غير موجود لا في قاموسها ولا في سياستها العاجزة، حيث تظهر وكأنها تخاف من اخذ اي قرار كي لا تغضب بعض من في الداخل والخارج، ويكتفي رئيسها، وبعض وزرائها، باطلاق وعود ومواقف لا تصرف في مكان، ولا تسمن او تغني عن جوع حقيقي او جوع سياسي وطني، ولذلك فهي منذ تشكيلها تبدو في عملها ومسيرتها، وكأنها تشبه شخصاً ما يمشي على الرمل، والمشي على الرمل كما هو معروف اشبه بزحف السلاحف.
* * *
اذا طرقت حكومة ميقاتي مطلق بيت لبناني اليوم، لن تسمع سوى الانين والوجع والشكوى والشتائم، خصوصاً بعد قرار رفع الاجور، الذي رفع الاسعار الى السماء السابعة، وحتى قبل البدء في تنفيذه، فكيف سيكون الحال يا حكومة اخر زمان بعد التنفيذ؟
هل يستمع وزير الاقتصاد الى ما يقوله الناس في الاذاعات ومحطات التلفزة والصحافة المكتوبة عن الغلاء الذي يكتوون به في ظل غياب تام عن السمع والوعي، وكأن الأمر لا يعنيه ولا يعني حكومته، او كأن هناك «قبّة باط» لبعض الديناصورات الجشعة التي لا تشبع من مصّ دماء اللبنانيين، الاّ اذا كانت الحكومة كما هي اليوم، جيء بها لتكون «خيال المآتي» لا وزن لها ولا قيمة، وعندها لا يعود مستبعداً ان يتنادى اللبنانيون الى انتفاضة جديدة، يقودها الوطنيون السياديون من جهة، واللبنانيون المحرومون حقيقة، ويعيشون تحت خط الفقر، من جهة ثانية خصوصاً وان اوضاع الناس المأسوية، لا تبشّر هذه الحكومة بالخير او بطول العمر، على الرغم من اعلان النيّات الدائم من قبل ميقاتي ووزرائه بأن الحكومة باقية على صدور اللبنانيين حتى عام 2013.
* * *
تجمع التحليلات الصحافية والسياسية في الولايات المتحدة الاميركية ودول اوروبا، ان انتفاضة الجوع التي تعمّ الدول الغربية، احتجاجاً على السياسة الاقتصادية لأغنى دول العالم، انما هي بتأثير من رياح التغيير المتفجرة من الربيع العربي، واذا كانت هذه الرياح قد لفحت ارادات شعوب تعيش بعيدة آلاف الكيلومترات عنها، فمن باب اولى ان تهبّ قوية في سماء لبنان الذي يبعد مسافة رمي حجر عن قلب الثورات الشعبية، ومثلما كان الشعب اللبناني سباقاً الى الانتفاض والثورة، سيبقى سبّاقا الى حماية مكتسباته التي انتزعها بقوة النضال والدم، وستكون هذه الحكومة بتقصيرها وضعفها وسوء تدبيرها، خير معين له على النجاح والانتصار، ولا يذكر التاريخ ان حكماً تميّز بما «تمتاز» به هذه الحكومة من تدهور بالاوضاع الاقتصادية والسياسية والامنية، ومن بعد عن مفاهيم السيادة والحرية والكرامة الوطنية، بقي بمنأى عمّا ينأى بنفسه عنه، خصوصاً خصوصاً بوجود وزير خارجية مثل الوزير الحالي.
ان غداً لناظره قريب.