الحدُّ الأدنى للأجْرِ ليسَ مفهوماً مادياً، وأنما هو الترجمةُ الماديةُ لتوازنِ العواملِ الاقتصاديةِ والاجتماعيةِ والسياسيةِ والأخلاقية. فالحدُّ الأدنى للأجْرِ ليسَ فقط الحدَّ المطلوبَ لتوفيرِ الإنتاجيةِ، وإنما هو أيضاً وخصوصاً، الحدُّ الأدنى لتحقيقِ وصيانةِ الكرامةِ الإنسانيةِ، والحدُّ الفاصلُ بينَ المواطنيةِ والزبائنيةِ، والحدُّ الضامنُ للاستقرارِ النفسيِّ والاجتماعيّ.
ليستْ كرامةُ الإنسانِ موضوعاً نظرياً، ولا هي تُصانُ لمجرَّدِ ذِكرهِا في الدستورِ أو التغنّي بها، وإنما هي – الى جانبِ التسليمِ بها فلسفياً ووضعِ القوانينِ اللازمةِ لحمايتِها – بحاجةٍ الى مُستلزماتٍ ماديةٍ، أيْ أنَّها لا تتأمَّنُ الا بتأمينِ الحدِّ الأدنى للحياةِ الكريمةِ، الذي دونَهُ تبدأُ حالةُ الفقرِ والعَوَزِ، أيْ عدمِ القدرةِ على الاكتفاءِ منْ ضَرورياتِ الحياة. فلِكَي لا يبيعَ الإنسانُ روحَهُ وجسدَهُ وفِكرَهُ، لا بدَّ أنْ يَتأمَّنَ لهُ الحدُّ الأدنى منْ مُستلزماتِ البقاء، من خلالِ الحدِّ الأدنى للأُجور.
كما أنَّ المواطنيةَ ليستْ شِعاراً، وإنما هي فعلُ ارتباطِ الإنسانِ الدائمِ والمباشَرِ بدولَتِهِ ومؤسساتِها في شوؤنِهِ وشجونِهِ كافة. وهذا أمرٌ يَتَطلَّبُ وَعياً ومُتابعةً للشأنِ العام. فكيفَ يُمكنُ للإنسانِ أنْ يَهتمَّ ويُتابعَ، ليُطوِّرَ وَعيَهُ في سبيلِ خدمةِ وطنِهِ، إذا كانَ همُّ استمراريَّتِهِ على المستوى المعيشيِّ المُباشَرِ، يَستَحوِذُ على مقدَّراتِهِ وجهودِهِ الفكريَّةِ والجسديَّةِ؟ كيفَ لهُ أنْ يُدافِعَ عنْ حقوقِهِ ويُضرِبَ ويُسائِلَ ويُحاجيَ ويُصوِّتَ بِحُريّةٍ وهوَ مُعوَزٌ؟ كيفَ لهُ أنْ يرفُضَ وهوَ مُضطرٌ الى قَبولِ المَذَلّاتِ كُلِّها مِنْ أجلِ الاستمرارِ؟ كيفَ يُمارسُ مواطنيَّتَهُ، وإلحاحُ الحاجةِ يَرميهِ في حُضنِ الزبائنيَّةِ؟ كيفَ يُشارِكُ في صناعةِ غدِ وطنِهِ وهوَ خائِفٌ على غَدِهِ؟
إنَّ الحدَّ الأدنى للاستقرارِ النفسيِّ والاجتماعيّ هو تأمينُ مستلزماتِ الحياةِ الكريمة. فالعاملُ غيرُ المُكتفي يَتَمَلَّكُهُ الحسدُ والحقدُ والخوفُ، وهي مشاعرٌ تُمهِّدُ للتطرفِ والتعصبِ والجنوحِ على أنواعِهِ، وتُؤدّي الى سُلُوكيّاتٍ اجتماعيةٍ مَرَضيَّةٍ ليسَ أَقَلَّها العنفُ وتجارةُ الممنوعاتِ والسرقةُ والاختلاسُ والبَغَاءُ وبيعُ الضمائِرِ؟
وبعدُ نسألُ، مَن يَقدِرُ في لبنانَ اليومَ أن يعيشَ بالحدِّ الأدنى للأجورِ دونَ عَوَزٍ؟ مَنْ يقدِرُ أنْ يَبنيَ عائلةً بسبعمئة ألف ليرة؟ مَن يقدِرُ أنْ يَعيشَ عَزيزاً، كَريماً، حُرَّاً، بَعيداً عنِ التَزَلُّفِ والزَّبَائنيَّةِ والطُرُقِ المُلتويَةِ بسبعمئة ألف ليرة؟
إنها أفكارٌ وأسئلةٌ برَسمِ المَعنيينَ بملفِ الأُجورِ وتَحديدِها وتَطوُّرِها، في بلدِ الحريةِ والأديانِ السماويَّة.