مئة يوم على تشكيل الحكومة وليس في وسع الرئيس نجيب ميقاتي ان يقدم كشف حساب عن هذه المرحلة التي اسقطت باكراً شعار حكومة "كلنا للعمل"، فان كان هناك من عمل يذكر، فهو طبعاً المصارعة السياسية بين افرقاء الحكومة، التي لم يعد ينقص اعضاءها سوى الذهاب الى الاجتماعات بقفازات الملاكمة. فليس هناك أي لبناني لا يعلم ان وراء جدران قصر بعبدا والسرايا، حفلات من الصراخ والغضب تتخلل اجتماعات الحكومة السعيدة، وهو ما يدفع ميقاتي بالتأكيد الى الهمس: اللهم اعنّي على حلفائي واما خصومي فأنا الكفيل بهم.
لن نعود الى الملف الكهربائي الذي شرقط غضباً وانقساماً، ولا الى تصريحات علك الصوف التي يدلي بها اعضاء في هذه الحكومة البائسة، إذ يكفي ان نتأمل في فضيحة الالتباسات والحماقات التي تعتور مسألة زيادة الأجور وما فيها من ارتجال وتخبيص، كي ندرك مدى الهامشية في حس المسؤولية وعمل المسؤولين.
على سبيل المثال، لم يكن في وسع رئيس حكومة أن يقول امس ولو كلمة واحدة مفيدة للناس: ارسلوا ابناءكم الى المدارس او لا ترسلوهم. ولا كان او سيكون في وسعه ترتيب علاقة صحية بين العمال وارباب العمل او بين العمال المنقسمين. ولا ندري اذا كان يتنبه الى ان السنة المدرسية تنساب مثل قبضة من الرمل، وانه مع وصول المآسي الى هذا الحد، ليس من المنطقي او المعقول ان يظن اللبنانيون ان لديهم دولة او حكومة او مسؤولا!
على سبيل المثال ايضاً، ليس في وسع هذه الدولة البائسة ان تمنع الاختراقات السورية للحدود، إما لأن من يأكل السياسة من خبز السلطان يضرب بسيفه كما يقال، وإما لأن اليد قصيرة والعين في الرمد او في التعامي، وإما لأن حجة جحا دائما ان التداخل في الحدود وعدم ترسيمها يسمح بهذه الاختراقات. ولكن رغم تكرار هذا الكلام المتخاذل فإن من واجب المسؤولين [واي مسؤولين؟] اصدار بيان عتب ولفت نظر يوجّه الى سوريا حفظاً للحقوق وحرصاً على تأكيد السيادة والكرامة الوطنية امام العالم.
هل من الضروري الحديث عن الوضع الأمني الذي يقال انه ممسوك، وربما لشدة هذا الامساك تحصل الجرائم وتنبت الجثث كالفطر في ليالي المسؤولين الهانئة؟
لا من الضروري الآن الحديث عن الاستحقاق الأصعب الذي يواجهه ميقاتي وحكومته السعيدة، أي تمويل المحكمة الدولية، الذي استحق منذ بعض الوقت وسرعان ما سيشكل عامل تفجير للحكومة. فاذا كان ميشال عون يسبق "حزب الله" في رفض التمويل في وقت يتمسك ميقاتي به، بعدما قطع وعوداً متكررة بهذا الشأن مشترطاً اقراره وإلا فانه سيستقيل، فإن ميقاتي يتجه الى الحائط والاستحقاق الصعب. لهذا سيطول نقاش الموازنة وقد نصبح غداً امام حكومة تصريف اعمال تخرج ميقاتي من مأزق الحكم وتريح "حزب الله" بتعطيل الحكومة، فلا تجد المحكمة الدولية من يرد عليها في بيروت!