#adsense

ميقاتي والاستقالة

حجم الخط

ليست الصدقية في التعامل أولى الصفات التي تلتصق برئيس الحكومة نجيب ميقاتي. فمساره يدل على ذلك ولا حاجة الى التوغل كثيرا في الموضوع. لماذا هذا الحديث المستهلك عن نجيب ميقاتي الآن؟ بكل بساطة لانه منذ مدة بدأ بتوزيع الوعود يمنة ويسرة بأنه سيستقيل في حال عدم إمرار تمويل المحكمة الخاصة بلبنان في مجلس الوزراء، لانه بحسب قوله ملتزم تمويلها التزامه احترام الشرعية الدولية وقراراتها!

في المبدأ لا غبار على الكلام سوى ان قائله هو نجيب ميقاتي نفسه، وقد اتى به بشار الاسد و"حزب الله" الى رئاسة الحكومة في ما يشبه الانقلاب العسكري المقنع لإخراج سعد الحريري والاستقلاليين من الحكم، لتنطلق مرحلة جديدة محورها الاستسلام والتبعية الكاملة لـ"حزب الله" في سياسته الجديدة بوضع اليد على الحكم في البلد، وذلك بدلا من السياسة السابقة التي قامت على تأسيس دويلة شبه مستقلة عن الدولة اللبنانية. وفي النهاية يقيت الدويلة واقتحم الحزب الدولة نفسها بأشخاص من وزن نحيب ميقاتي!

بناء على ما تقدم، فإن الوعود التي يوزعها ميقاتي لا تزن كثيرا في ميزان الصدقية في التعامل السياسي، لأن القائل كان ولا يزال يناور في سبيل الفوز بكل شيء دفعة واحدة. يريد التبعية لبشار، والاستسلام لـ"حزب الله"، ورضى الاميركيين، ورعاية الفرنسيين، وشرعية تمثيل السنة في البلد. كل هذا دفعة واحدة في وقت تغيرت المعطيات التي أتت به رئيسا للحكومة، وفي الوقت الذي صار المطروح على بساط البحث مصير النظام في سوريا.
إن وعود رئيس الحكومة تفتقر الى الصدقية وربما الى الصدق نفسه، لأنها جزء من مناورة تهدف الى تعويمه خارجيا وداخليا. فهو لن يستقيل إلا حين يحصل على ضوء اخضر من الذين اتوا به الى الحكم. ولن يخرج عن طاعة بشار او السيد حسن نصرالله اللذين يمثلان المرجعية الاولى والاخيرة له وللحكومة. وثمة من يقدر ان الوعود الميقاتية جزء من مناورة محكمة يشارك فيها "حزب الله"، هدفها النهائي اكساب ميقاتي شرعية سنية ومكانة دولية، وانه حتى في حال استقالته، المطلوب ان يستمر رئيسا لحكومة تصريف الاعمال اطول مدة ممكنة لمنع عودة الاستقلاليين الى الحكم. وفي هذه الحال تتملص الحكومة من التمويل، ويبقى حال الامر الواقع قائما، ويتواصل الاختراق الكبير لمؤسسات الدولة. ان هذه الحكومة هي افضل ما يمكن للنظام في سوريا و"حزب الله" ان يستحصلا عليه في لبنان. ومن هنا لن تسقط الحكومة إلا بأحد امرين: إما ان يقرر ولاة امرها في دمشق وحارة حريك ذلك، وإما ان تسقطها تداعيات الثورة في سوريا مع انهيار النظام. لذلك نعتقد ان التلويح بالاستقالة من هنا وتوزيع الوعود بشأنها من هناك غير مجديين، لان عنوان الحكومة الحقيقة ليس عند رئيسها، بل عند من ولاّه. لا نريد من نجيب ميقاتي ان يمنن اللبنانيين بموقف "ايجابي" من المحكمة، لأنه والحق يقال لم يدرك بعد ان المسألة بالنسبة الينا لا تتعلق بالتمويل بل بالعدالة التي جانبها يوم طُعن بشعبه وبشهدائهم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل