يعتمد الرئيس نجيب ميقاتي خيار إرجاء حل الازمات ما أمكن للمدّ بعمر حكومته، محاولاً الاستفادة من عامل الوقت الى أقصى الحدود. لكنّ إعلان "حزب الله" رسمياً وللمرة الأولى، أن الخلاف داخل مجلس الوزراء على تمويل المحكمة الدولية يُحسم بالتصويت، المضمونة نتائجه لمصلحته، يُؤشر الى اقتراب المواجهة بعد مَيْل أوّلي لإرجائها، في انتظار اتضاح مآل الثورة السورية التي دخلت شهرها الثامن رغم تصاعد عنف القمع الدموي.
فالمحكمة الدولية التي أخرج دعمها الرئيس سعد الحريري من السرايا الحكومية ستكون السبب لإسقاط حكومة الرئيس ميقاتي، بغض النظر عن نتائج المواجهة، التمويل أو عدمه، لأن التلويح بالاستقالة سلاح يستخدمه الطرفان. ففيما تربط أوساط الرئيس ميقاتي بقاءه في منصبه بتنفيذ التمويل، يربط حلفاء "حزب الله" استمرار وزرائهم برفض قطعي للتمويل ويتسترون باستخدام المطالب العمالية. وهذه ورقة يمكنهم استعادتها متى شاؤوا مع رفض الهيئات الاقتصادية وهيئات نقابية للحل الذي تم التوصل اليه الأسبوع الماضي..
فرغم تصريحاته المتكررة بالتزام التمويل حتى من أعلى منبر دولي في الأمم المتحدة، لم يُقدم الرئيس ميقاتي حتى الآن على خطوة عملية لتأمين سداد لبنان حصته لعام 2011 والتي تقترب مهلتها على النفاد.
فقد توقع رئيس قلم المحكمة هيرمان فون هايبل في حديث صحافي نُشر في 13 تشرين الأول، أن يدفع لبنان هذه الحصة "قبل نهاية الشهر الجاري"، فيما تتضارب وجهات النظر المحلية بشأن المهلة التي تمتد، وفق الأكثرها تمييعاً، إلى نهاية هذا العام على أقصى حد. وكشف المسؤول الدولي عن أن الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون سلّم الرئيس ميقاتي "رسالة تذكير" بهذا الشأن.
وفي هذا الإطار يستفيد الرئيس ميقاتي من غياب الاعتمادات بسبب عدم تصديق موازنة العام 2011، ويتذرع بانتظار إقرار مجلس النواب مشروع قانون النفقات الاستثنائية لتغطية نفقات العام الجاري، ليصبح بإمكانه تمويل المحكمة الدولية بسلفة خزينة. ففي العام الماضي تمّ التمويل بسلفة خزينة صدرت بعد موافقة مجلس الوزراء على مشروع موازنة عام 2010.
كما وأن بند التمويل للعام المقبل المطروح في الموازنة التي بدأ نقاشها الثلاثاء، مرشح للإلغاء تلبية لمطالب "حزب الله" وحلفائه. وتقول مصادر الرئيس ميقاتي بأن البحث راهناً سيقتصر على فذلكة الموازنة على أن يتم إرجاء بحث البنود من أسبوع إلى أسبوع ويكون بند التمويل آخرها.
وقد تخطى "حزب الله" الصلاحيات الدستورية لرئيس الحكومة عندما رسم بوضوح مخرجاً وحيداً لحل أزمة التمويل بعد أن أوحى منذ أسابيع برفض هذا التمويل إما تسريباً وإما بمواقف علنية لحلفائه وخصوصاً النائب ميشال عون ووزرائه.
فقد أعلن نائب الأمين العام لـ"حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في الفترة الأخيرة، أنه "في الأمور الصعبة والمعقدة إذا لم نتوصل إلى اتفاق فيكون التصويت داخل الحكومة، وعلى الآخرين أن يلتزموا"، ضامناً بذلك فوز خياره بتوافق كامل عليه مع "حركة أمل" و"التيار والوطني الحر" والنائبين سليمان فرنجية وطلال إرسلان.
رغم هذا الخلل، واظب مقربون من الرئيس ميقاتي تأكيد حتمية التمويل. ومن على شاشة تلفزيون "حزب الله" انبرى رئيس "الحزب التقدمي الاشتراكي" النائب وليد جنبلاط للتشديد على أن وزراءه سيصوتون لمصلحة التمويل، إضافة الى موقف رئيس الجمهورية ميشال سليمان الداعم.
وقد أعلن الشيخ قاسم الموقف فيما كانت كل الترجيحات تتوقع أن لا يحسم "حزب الله" الخيار بين تمويل المحكمة أو الحفاظ على الحكومة قبل اتضاح الأوضاع في سوريا.
ويرى ديبلوماسي لبناني سابق أن "حزب الله" اقتنع بأنه لا يمكنه إرجاء المواجهة الى حين التجديد للمحكمة الدولية في آذار المقبل عبر فرض تعديل البروتوكول، وقرر المجازفة بخوض معركة التمويل لأن الأوضاع في سوريا غير مرشحة للحسم في القريب العاجل خصوصاً مع تصاعد التوتر بين واشنطن والرياض من جهة وطهران من جهة أخرى بسبب تورط الأخيرة في محاولة فاشلة لاغتيال السفير السعودي في الولايات المتحدة.
ويرى المصدر نفسه أن إنقاذ حكومة الرئيس ميقاتي في يد دمشق وحدها إذا ارتأت أن ذلك يعطيها مهلة إضافية لقمع التحركات الهادفة لإسقاط نظامها لأنها المؤهلة للضغط على "حزب الله" ليوافق على التمويل.
وقد دخلت الثورة السورية شهرها الثامن حاصدة أكثر من ثلاثة آلاف ضحية مما يجعل تراجع الثوار عن أهدافهم مستحيلاً. وتبدو السلطة عاجزة عن الحسم رغم أن تصاعد حدة قمعها الدموي في اليومين الأخيرين يدل على أنها تسعى الى الاستفادة من فرصة الخمسة عشر يوماً التي منحتها اياها الجامعة العربية، خصوصاً بعد أن تبلورت هيئة معارضة هي "المجلس الوطني السوري" الذي اعترفت به الجامعة العربية ضمناً عبر دعوتها الى حوار بين النظام والمعارضة في مقرها في القاهرة.
كما أعلنت تركيا، الأكثر أهلية لدعم المعارضة، عقد أول اجتماع رسمي لمسؤولين أتراك مع "المجلس الوطني السوري".