توقّفت مصادرمراقبة أمام الاهتمام الدولي بالتوغّلات السوريّة المتكرّرة على الحدود اللبنانية – السورية شمالا وبقاعا، والمواجهات التي تخوضها القوّات النظاميّة السورية في محيطها، تزامُنا مع الملاحقة التي تقوم بها مباشرة أو بواسطة القوى الحليفة للمعارضين السوريّين على الأراضي اللبنانية، في وقت تدنّى فيه مستوى الاهتمام الدوليّ بالعمليّات العسكرية السوريّة في العديد من المحافظات والمدن السوريّة، حيث تمتدّ أنهار الدماء بين أحيائها.
تعتقد المراجع الدبلوماسية أنّ هذه الإجراءات السوريّة تشكّل تحدّيا قويّا للإرادة الدوليّة، وخروجا على كلّ أشكال المواثيق والتفاهمات الدوليّة التي كرّستها التشريعات الدولية، وترعاها الحكومات والمنظمات الدولية الحريصة على حقوق الإنسان. ومنها تلك التي تتحدّث عن حقّ الإنسان بالحماية الفكرية والجسدية على الأرض التي يقيم عليها، وحيث يتوافر مورد رزقه. كما بالنسبة الى حقّه بالحماية الواجب تأمينها، واعتبارها من مسؤوليّات السلطات والحكومات التي تسيطر على الأراضي التي يعيش فوقها.
معاني التوغّل الدوليّة
وعلى هذه الخلفيّات تراقب المراجع الدبلوماسية المعتمدة في لبنان كلّ ما يحدث من انتهاكات بحقّ المعارضين السوريّين، ليس في لبنان فحسب، إنّما في العديد من دول العالم، حيث تحصي البعثات الدبلوماسية السوريّة هويّات المعارضين أينما تحرّكوا في العالم وتوثّق هويّاتهم لاستثمار "داتا المعلومات" الخاصة بهم لممارسة الضغوط على عائلاتهم في الداخل السوري.
وتعتقد المراجع الدبلوماسية المعتمدة في لبنان أنّ المعارضة السوريّة نجحت حتى اليوم في استدراج الجيش السوري الى مواجهات حدودية مع لبنان شبيهة بتلك التي خاضتها في الأشهر الأولى للانتفاضة السوريّة على الحدود التركية – السوريّة، لأنّ القراءة الدولية لمثل هذه المواجهات لها موازين وحسابات أخرى تختلف عن تلك التي تجري ضمن أراضيها، حيث لها سلطتها الوحيدة في إدارة شؤون مواطنيها.
ومن هذه الخلفيّات، ما يؤدّي الى قراءة جديدة لها تجاوز حجمها العسكري ونوعيتها مهما بلغت، لتفتح الباب واسعا أمام مرحلة متقدّمة يمكن النفاذ من خلالها لاستدراج التدخّل الخارجي وتبريره، وتعطيه أبعادا دوليّة قانونية قد تؤدّي في حال تطوّرها الى فرض حماية دولية أو حظر جوّي أو عسكري على الأقلّ لمناطق حدودية توفّر الملاذ الآمن للمعارضين من مدنيين أو عسكريّين منشقّين في مواجهة قوات النظام التي تدينها مثل هذه العمليات.
مقاربة لبنانيّة – تركيّة
وتقول المراجع الدبلوماسية إنّ في كلّ ما جرى ويجري من أحداث دمويّة على الحدود اللبنانية – السورية، ومهما كان حجمها والنتائج المترتبة عليها، هي مؤشّرات تتلاقى مع التجربة التي جرت قبل أشهر على طول الحدود السورية – التركية، والتي سارعت القيادة السورية يومها الى طيّها بالسرعة القصوى، إذ انتشر الجيش السوري على طول الحدود مع تركيا، وعملت القيادة السورية المستحيل لإعادة الهدوء الى منطقة جسر الشغور وتلبيسة، مع ما رافق ذلك من حملات إعلامية دولية لمنع فتح أيّ ملفّ يتّصل بما يمكن تسميته بالاعتداء على الأراضي التركية، أو قيام مشكلة اسمها اللاجئين السوريّين داخل الأراضي التركية، مخافة ان يتحوّل أيّ تطوّر على هذين المحورين الى كرة ثلج دوليّة تستدرج العالم الى إجراءات حدوديّة لا تريدها سوريا.
كما تزامنت الأحداث المتتالية على الحدود ما بين عرسال والقاع بعد وادي خالد شمالا ومجدل عنجر بقاعا، مع ما رمت اليه التحذيرات الدوليّة الأخيرة التي شكّلت بداياتها بيانات التحذير التي وجّهتها كلّ من سفارات الولايات المتّحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا الى رعاياها في لبنان لتحاشي الاقتراب من الحدود السورية بعمق الكيلومترات الخمسة، ما يدل على احتمال الوصول الى مرحلة إعلان المنطقة بالعمق الجغرافي المشار اليه على جانبي الحدود اللبنانية والسورية منطقة محظورة على كلّ الأعمال العسكرية متى تطوّرت الإجراءات الرادعة الناجمة عن عقوبات دوليّة قد تتعرّض لها سوريا استكمالا لما بوشر العمل به من عقوبات بحقّ الموانىء السوريّة الجوّية والبحريّة، والتي طالت حتى اليوم الشرطة الوطنية للطيران وبعض شركات الملاحة البحريّة.
ولذلك كلّه، تهمل المراجع الدبلوماسية المبرّرات السورية وتلك التي يشير اليها حلفاؤها في لبنان بشأن التوغّلات الحدودية في الأراضي اللبنانيّة، وتدعوها الى وعي خطورة ما يجري والانعكاسات المحتملة في ضوء القوانين الدولية. كما تمنّت عليها بالوسائل المتعارف عليها وقف كلّ هذه الانتهاكات التي لايمكن ان يبرّرها أيّ موقف يسعى الى تسخير ما يحصل لأهداف داخلية لبنانية أو سورية، ومع ضرورة الأخذ بعين الاعتبار أنّ ما يحصل يتجاوز الحديث عن معارك تخوضها القوات السورية النظامية مع فلول المنشقّين عن الجيش السوري أو تلك العصابات والمجموعات التي امتهنت التهريب على أنواعه بين أراضي البلدين منذ عقود من الزمن. لأنّ لها مفهوما دوليّا واحدا يتجاوز كلّ هذه الاعتبارات، وأقلّه أنّها ستشكّل عنصر إدانة يمكن ان يستخدمه المجتمع الدولي في المواجهة المفتوحة مع النظام السوريّ في المحافل الدوليّة.