اقتراحات مشروع الموازنة تبعث على الأسى، فليس فيها ذرة من التفكير الخلاق. كل ما فيها ان بعض مستشاري وزارة المال حددوا المستويات القصوى للدين العام قياساً على الدخل القومي، والانفاق الروتيني مع بعض الانفاق الانمائي، ومن ثم تبنوا اقتراحات قديمة عرضها الرئيس السنيورة قبل سنوات في مشروعه الاكثر اكتمالاً لموزانة 2005 من أجل تغطية النفقات تحت نسبة عجز للانفاق ونسبة للدين العام على حساب حجم الدخل القومي.
الاقتراحات القديمة
– زيادة الضريبة على الفوائد المتحصلة على الودائع من 5 – 8 في المئة.
– زيادة الضريبة على القيمة المضافة من 10- 12 في المئة.
الاقتراحات الجديدة
– فرض ضريبة بنسبة 3 في المئة على مبيعات الاراضي او الشقق من الافراد.
– استحداث ضريبة على مبادلات الاسهم تخضع الربح المتحقق الى ضريبة نسبتها 10 في المئة.
لا شك لدينا في ان اصحاب الاقتراحات الضريبية اغفلوا وقعها على النشاط الاقتصادي وعلى تحريك السوق المالي الذي انجزنا تشريعاً في صدده منذ فترة قصيرة وهو بالتأكيد لا يتفق بمنطلقاته والتوجه الى فرض ضريبة على ارباح الاتجار بالاسهم.
خبراء وزارة المال على ما يبدو غير معنيين بالنمو الاقتصادي والمعايير المجمعة للاقتصاد الكلي. وهذا غير مستغرب. فمنهم مَنْ ساهم في تدهور سعر صرف الليرة بسرعة هائلة خلال النصف الاول من عام 1992 وكانوا في صدارة المستشارين في المصرف المركزي كما هم اليوم في وزارة المال.
زيادة الضريبة على عائدات الايداع تؤدي الى تباطؤ حركة التحويلات الى لبنان ونمو ودائع المصارف وتالياً نمو التسليفات والنشاط الاقتصادي، وهي ضريبة يمكن تفاديها بنقل ودائع المصارف اللبنانية الى تفرعات لها خارج لبنان.
اما زيادة الضريبة على القيمة المضافة ولو بنسبة 2 في المئة، فانها تؤثر على مستويات الاسعار، بل ساهمت بمجرد طرحها في رفع وتيرة التسعير، وتحصيل الضريبة على القيمة المضافة يحتاج الى تطوير وتحسين. فالممارسة المتبعة، كما من جميع دوائر الدولة، هي فرض خوة التعجيل في الدفع حتى لو لم يتم التحصيل. هذا هو الواقع مثلاً بالنسبة الى مستوردي السيارات للتسويق الداخلي، وبالنسبة الى فواتير المستشارين والمحاسبين، والتي قد لا يدفعها بعض الزبائن.
وقبل الانتقال الى الضريبتين الجديدتين ومساوئهما، أود عرض فكرة أراد تطبيقها الرئيس رفيق الحريري صيف 2004 عندما كان الاقتصاد اللبناني يعاني تباطؤاً يعود بصورة خاصة الى تردد المستثمرين في الاستثمار في مشاريع في لبنان خصوصاً ان التشنج السياسي مع الحكم السوري كان على أوجه.
الرئيس الحريري اراد في حينه الغاء ضريبة الدخل على الافراد والشركات، في ما عدا الشركات التي تحقق ارباحاً تفوق المليون دولار سنوياً، وهو اراد الغاء رسوم الطابع على المعاملات وتبني وسائل المعلوماتية في كل دوائر الدولة لتسهيل انجاز اعمال المواطنين.
في ذلك الوقت، كان ثمة اقتراح لتوظيف 2200 محقق ضريبي، والرئيس الحريري كان يريد الغاء هذه الوظيفة وهذا السيف المصلت على أصحاب المتاجر الصغيرة، والاطباء، والمحامين والمهندسين والمستشارين، والاساتذة والعمال.
في المقابل، احتسب الرئيس الحريري في حينه ان رفع معدل الضريبة على القيمة المضافة الى 16 في المئة يؤدي الى خفض عجز الموازنة بنسبة 20 في المئة، كما ان اقرار برنامجه كان يساهم في رفع معدل النمو السنوي بنسبة 2 – 3 في المئة.
أذكر ان ممن استشارهم الرئيس الحريري في هذا الموضوع رئيس جمعية التجار نقولا شماس، وهو اقتصادي وضع اهم الكتب عن الاقتصاد الكلي في لبنان. وقد وجد نقولا شماس في مشروع الرئيس الحريري ما يشجع على توقع نهضة اقتصادية.
حين نتحدث عن رؤيوية مستقبلية ننظر الى اقتراحات مثل هذا الاقتراح الحيوي، الذي جمع بين اختصار عدد موظفي الدولة وسلطاتهم، وتحديث وسائل عمل الادارة. وانا على ثقة تامة من اننا لو سألنا وزير التنمية الادارية الاستاذ محمد فنيش عن المشكلة الكبرى للاقتصاد اللبناني فهو بالتأكيد سيجيب بانها الادارة الحكومية والاجراءات التي تقتضي وقتاً طويلاً وموارد مالية ملحوظة من المواطنين.
فرض ضريبة على مبيعات العقارات المبنية وغير المبنية من الافراد بنسبة 3 في المئة أي نصف نسبة ما يدفعه المشترون أمر لااخلاقي في منظورنا، ما دامت أرباح الاتجار بالعقارات من الافراد غير خاضعة للضريبة. وهذا السهو المقصود يساهم في تحويل الاستثمارات عن اغراضها نحو استعمال غير خاضع للضريبة، وهو عنوان ما يسمى الاقتصاد الريعي.
والضريبة على ارباح الاتجار بأسهم الشركات المساهمة صعبة التطبيق، وتخالف منطلق تحويل لبنان الى مركز مالي اقليمي. وبعد سنوات من وضع مشروع قانون للاسواق المالية اقر هذا القانون. ونحن كالعادة، في انتظار تحقيق معطياته على الارض، ويبقى سوق بيروت يدور حول خمسة او ستة اسهم لا غير، في حين كان في الامكان، لو حرّرنا العمل في السوق وانجزنا اتفاقات اقليمية، تحريك السوق بدينامية.
ان الضريبة المقترحة والتي هي فريدة في منطقة الشرق الأوسط ستساهم في اطفاء آمال تطوير السوق المالية قبل انطلاقها، وهذا الأمر يعني ان الضرائب الجديدة المقترحة في الميزانية ستؤدي الى اختناق الاقتصاد اللبناني في مرحلة صعبة ومعقدة اقليمياً ودولياً.
أخيراً ملاحظتان لعل فيهما افادة:
كيف تهدر الحكومة 282 مليون دولار على مساعدات لسائقي السيارات لا تفيد المستهلكين والاقتصاد، وتخصص في الوقت ذاته ما يساوي 200 مليون دولار لضمان صحي شامل قبل وضع تصور جهاز هذا النظام؟
ان عجز الموازنة يعود بنسبة 55 في المئة الى تغطية عجز كهرباء لبنان ومعونات السائقين، فلماذا لا تلجأ الحكومة الى الغاء دعم السائقين والى استئجار محطات توليد عائمة تعمل على لقيم الغاز الطبيعي السائل والذي يوفر نسبة 60 في المئة من كلفة اللقيم؟ قد نحقق 700-800 مليون دولار من الوفر عن هذا السبيل.
بالطبع هذه اسئلة لا تطرحها الحكومة فهي منشغلة بالأمر اليومي، والحرتقات السياسية، وغائبة عن الحقيقة الوحيدة التي تتمثل في ضرورة رفع معدل النمو بتخفيف الهدر واطلاق طاقات القطاع الخاص في كل المجالات بأمان واطمئنان.