#dfp #adsense

خريف الطغاة..

حجم الخط

إنتهت قصّة العقيد الليبي كما ينبغي لها أن تنتهي. لا مفاجآت في خلاصاتها، ولا خبطات تخالف الحبكة وتفاصيلها. هذا "النوع" من القادة التاريخيين لا تليق به إلاّ مثل هذه النهايات التاريخية التامّة، الحاسمة والساطعة من دون تشوّهات وإشكالات. إذ لا مكان لأي حسبة خاطئة أو مبهمة هنا. ولا لأي احتمال ثالث: يا قاتل، يا مقتول!

كأنّه استشرف بنفسه تلك النهاية عندما حكى في مؤتمر قمّة دمشق عام 2008 عن مصير صدّام حسين. "الدور عليكم". خاطب نظراءه بعد أن قرّعهم على صمتهم إزاء النهاية التي آل إليها الديكتاتور العراقي… كان يعرف أنّ "أنصاف الآلهة" لا تسري عليهم الأحكام السارية على البشر العاديين. هم صادروا، في جملة ما صادروه، دور أو أدوار تلك الأقدار المحدّدة لمصائر وأعمار دول وشعوب وأفراد وجماعات بأكملها..
ومن دون خفر أعملوا أحكامهم ومناجلهم في حصد رقاب الناس، وأمعنوا في السبي والقتل. وعندما قرّر هؤلاء الناس أن مَنْ أمامهم بشر مثلهم، قطعوا مع الاذعان وأعلنوا المواجهة.

ذلك القطع والإعلان كان نصف المشكلة. النصف الثاني كان عند "أنصاف الآلهة".. من أماكنهم المعلّقة بين الأرض والسماء نظروا إلى تمرّد العامّة باعتباره شيئاً من الكفر وليس أقل من ذلك. والعقاب المألوف على الكفر ليس إلاّ المحو عن وجه الأرض، وحرمان المرتكب نعمة الحياة، ثم جعله "أمثولة" لغيره من المتطاولين الكفّار!

مشكلة فعلية تلك الثورات. الظن الغالب هو أنّ أهلها يبحثون عن تحرّر من طغيان، وعن أشياء أخرى كثيرة يفترضون وجودها خارج أسوار سجنهم المسمّى وطناً، وخارج شعاع طغاتهم الذين تآلفوا في آخرتهم مع الحفر! لكن تلك الثورات راحت إلى حد "ارتكاب" معاصٍ لا تُحصى. منها تحديداً دعوة هؤلاء الطغاة إلى التسليم بالتغيير وقبول عرض السلامة الشخصية والمغادرة إلى دنيا الله الواسعة. دعوة محيّرة: إلى أين يسير "أنصاف الآلهة" ودنياهم معلّقة بين الأرض والسماء؟!

.. ثم أنّ بعضهم ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير.. إلى حد تلبّس الذات الالهية نفسها. فيما بعض آخر لا يزال يلعب في زمن النهايات الحزينة كما كان يفعل في زمن البدايات السعيدة. لا يريد أن ينصاع إلاّ بعد تحطيم دنيا هؤلاء الناكرين لجميله على مدى سنوات حكمه وتحكّمه. ولا يريد أن يتنازل إلاّ بعد "إنزال" كل مَنْ عليها من بشر وحجر إلى الأرض، لكنه في نهاية المطاف سيكتفي هو نفسه بحفرة تحت تلك الأرض!
ربيع العرب: خريف الطغاة، وشتاء مديد صقيعه يلفّ سيرتهم ويطويها إلى الأبد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل