ربما اعتاد القراء والمشاهدون العرب على أخبار تقول إن عشرين شخصاً قتلوا في هذا اليوم أو ذاك برصاص «الأمن». وباتت صور عسكريين، من الجيش والشرطة ومن يقوم مقامهم، يطلقون النار على المتظاهرين، من المناظر المألوفة، في نشرات الأخبار.
ما من شيء ينبغي أن يثير قلق المواطن العربي أكثر من انقلاب أجهزة الأمن وحوشاً كاسرة مهمتها قتله، بعدما أمعنت أعواماً طوالاً في إذلاله وقمعه وحرمانه من حقوقه الإنسانية الأساسية. الحديث يتلازم مع ما يجري في البلدان العربية التي تهب عليها رياح الثورات، من قتل مجنون ترتكبه قوات الأمن ضد المواطنين غير مستثنية الأطفال والنساء وكبار السن، على ما يظهر يومياً في اليمن وسورية، حيث تبذل جهود لإسباغ «العادية» على حصيلة القتل الأمني ووضعها في إطار «الأعمال المعتادة».
و»الارتقاء» هذا من القمع إلى القتل، يدل على بروز الوظيفة الحقيقية التي أملت إنشاء الأجهزة الأمنية في الدول العربية منذ الاستقلال. فالحفاظ على السلطة في أيدي الجماعات الممسكة بها، هي المهمة الحقيقية التي تعني أجهزة الأمن العربية. الدفاع عن السلطة في وجه التهديدات الداخلية، هو ما يعني الرجال (والنساء) الذين أوكل إليهم العمل في الأجهزة المذكورة. لكن تعريف «التهديدات» يختلف في الدول العربية عن ذلك السائد في العالم. فالتعبير عن الرأي والعمل على إيجاد حيز من الحريات، يدخل في باب التهديد. وهذا قبل أشواط وأميال من المطالبة بتغيير النظام أو إسقاطه.
ولعل أجهزة الأمن العربية تقدم العينة الأسطع على التناقض بين الاسم والمضمون. فهي لحفظ أمن النظام في وجه من يناهضه أولاً، ولتدبير رفاه مسؤوليه ثانياً، حتى لو بلغ ذلك غاية في الشطط والتطرف على ما ظهر في قصور زين العابدين بن علي ومعمر القذافي ومن شاكلهما وتبعهما.
بل إن حالة الأجهزة في دولة اتسم فيها التغيير بقدر من السلمية، مثل مصر، ما زال يطرح الكثير من الأسئلة حول الدور الذي يتصور قادة الأجهزة الذين يتمسكون بمناصبهم، أنهم سيؤدونه وفي ظل أي قيادة وكيفية صوغ العلاقات مع السلطة المدنية المقبلة. وفي انتظار تبيان كل ذلك، تنكفئ الأجهزة عن الشوارع المتروكة شبه خاوية من النشاط الأمني، بمعنى الحفاظ على سلامة المواطنين ومصالحهم.
مسألة الأجهزة الأمنية وانحيازها الإجرامي إلى السلطات عبر تنفيذها أوامر إطلاق النار على المتظاهرين العزل، هي في صميم مسألة السلطة وبنيتها والولاء لها في الدول العربية. ومن النادر ألا يحيط الزعيم العربي نفسه «بأهل الثقة» من الأقارب والأهل، في المناصب الإدارية والعسكرية والأمنية، وأن يقرب إليه من تربطه بهم صلات الدم والقرابة ليوليهم شؤون الأمن وحمايته الشخصية. لا مكان في هذه التركيبة للكفاءة أو العناصر المهنية، بل للولاء الأعمى.
وحلول معايير حديثة لاعتماد المسؤولين في الإدارة، بعد سقوط أنظمة الاستبداد والتمييز، سيواجه صعوبات لا يستهان بها في مؤسسات مثل الجيش والشرطة والاستخبارات، حيث لم يعتد كبار الضباط في هذه الأجهزة على المساءلة أمام جهات مدنية منتخبة ديموقراطياً.
في انتظار ذلك، ستتابع الاستخبارات ونظيراتها من هيئات قتل المتظاهرين وتعذيبهم والزج بهم في أقبية الموت، طالما أن هذه الأعمال هي تحديداً ما يشكل فهمها للحفاظ على الأمن.
