أعادت المحكمة الدولية، قبل يومين، وضع النقاط على الحروف في ملف تسليم المتهمين الأربعة. وذكّرت الحكومة اللبنانية بأنّها دائماً تحت المراقبة، ولا تستطيع الاكتفاء بالردود الروتينية التي ترسلها الى لاهاي مع كلّ تقرير من النيابة العامّة التمييزية، التي يمنحها نظام المحكمة دور الضابطة العدليّة. وهذه الردود، التي كان آخرها أوّل من أمس، تقترب من صيغة "غسل اليدين"، فيما المطلوب من الحكومة أن تثبت جدّياً أنّها بحثت عن المطلوبين حيث يُفترض أن يكونوا، ولدى الجهات التي أكّدت أنّها لن تسلّمهم بعدما وضعتهم في مصاف القدّيسين.
"إنذار" هايبل
في وضوح، أعلن رئيس قلم المحكمة هيرمان فون هايبل أنّ المحكمة في صدد دراسة المعلومات المتوافرة لديها، في أعقاب التقرير اللبناني الأخير، وهي ستقرّر في ضوئها، وقبل نهاية الشهر الجاري، ما إذا كانت الحكومة قد بذلت فعلاً كلّ الجهود المطلوبة للعثور على المتّهمين واعتقالهم. فإذا تبيّن لها ذلك، سيكون الخيار المتوافر لديها هو المحاكمة الغيابية. وهذه المحاكمة، يقول فون هايبل، لن تتمّ قبل النصف الثاني من العام المقبل، لأنّ المحكمة تمنح فريق الدفاع أربعة أشهر، ويحقّ له بالمزيد، ليتمكّن من دراسة الوثائق والملفّات التي تضعها المحكمة بين يديه. ووصف مسألة تعاون السلطات اللبنانية في هذا الإطار، إضافة الى التمويل، بأنّه "من التحدّيات" التي تواجهها الحكومة.
وتسجّل مراجع حقوقيّة رفيعة ثغرات في سلوك الحكومة في هذا المجال، تقوم المحكمة بمراقبتها. فالسلطات اللبنانية، ولو حرصت على التعاطي "البيروقراطي" الطبيعي مع المحكمة منعاً لأيّ إشكال مع المجتمع الدولي، فإنّها لم تُظهر تناقضاً مع الفريق الذي يتحدّى المحكمة ويرفض علناً التعاون معها. وليس في الوثائق المرفقة بالتقريرين المرسلين الى المحكمة ما يجزم بتعاون السلطات اللبنانية جدّياً، وليس فقط "على الورق". وتلفت المراجع إلى أنّ الفريق الرافض للمحكمة هو صاحب الكلمة الفصل في الحكومة الحاليّة. وعندما يعلن رئيسها "إلتزام" القرارات الدولية أو "إحترامها"، فإنّه لا يستطيع الوفاء بتعهّداته ما لم يكن ذلك في إطار صفقة مع رافضي المحكمة. فالدراسة العملانيّة للردّ اللبناني على طلب تسليم المتّهمين تؤدّي الى استنتاج سلبي، وهو أنّ الحكومة لا تتجرّأ على مواجهة الملفّ أساساً، لأن لا قدرة لها على الخوض فيه، فتختبئ تحت عنوان "تعذّر الإبلاغ".
تحدّيات المادة 20
وتلفت المراجع الى أنّ المادة 20 من قواعد الإجراءات والإثبات في المحكمة تفرض تحدّيات متزايدة في المرحلة المقبلة، قد تجد حكومة الرئيس نجيب ميقاتي نفسها عاجزة عن تلبيتها، خلافاً لما قامت به حتى اليوم.
فالفقرة "أ" من هذه المادة تنصّ على ضرورة أن تلبّي السلطات اللبنانية "من دون تأخير"، أيّ طلب بتقديم معلومات أو التعاون أو التنازل عن الاختصاص بموجب المادّتين 16 و17. وإذا ما تخلّفت عن ذلك في مهلة ثلاثين يوماً، وقد تقترح المحكمة إطالتها، يجوز التِماس أمرٍ من قاضي الإجراءات التمهيدية والغرفة بامتثال السلطات اللبنانية. وحتى الآن تعاونت السلطات اللبنانية بتنازلها عن الاختصاص في ثلاثة ملفّات اغتيال ومحاولة اغتيال، وبتزويد المحكمة تقريراً شهريّاً عن ملاحقة المتّهمين.
كما أنّ الفقرة "ب" تنصّ على أنّ السلطات اللبنانية، عندما تتسلّم دعوة الى الحضور أمام المحكمة أو مذكّرة توقيف أو أمراً بتقديم وثائق أو معلومات أو أيّ أمر بالتعاون من قاضي الإجراءات التمهيدية أو من الغرفة، فيجب عليها تقديم المساعدة المطلوبة "من دون تأخير".
وأمّا الفقرة "ج" فتضع ضوابط محدّدة للتعاطي مع الجانب اللبناني، وترسم الطريق الى معاقبة الحكومة اللبنانية في حال عدم التزامها. وهي ترسم الآليّة الآتية: "إذا تخلّفت السلطات اللبنانية المعنيّة عن الاستجابة للأمر، بموجب الفقرتين "أ" و"ب"، خلال 30 يوماً من إخطارها به، يجوز لقاضي الإجراءات التمهيدية أو للغرفة، وفقاً للاقتضاء، تنظيم محضر قضائيّ بذلك، وعلى الرئيس أن يباشر التشاور مع السلطات اللبنانية المعنيّة بهدف الحصول على التعاون المطلوب. وإذا رأى القاضي المعنيّ أو الغرفة المعنيّة، بعد التشاور مع الرئيس، أنّه لم يتمّ تقديم أيّ ردّ مقنع خلال مهلة معقولة، يُعِدّ الرئيس محضراً قضائيّاً بهذا الأمر، ويحيل المسألة إلى مجلس الأمن للاطّلاع واتّخاذ إجراءات لاحقة، وفقاً لما يراه مناسباً".
ضمانة الفصل السابع
وفي تقدير المراجع الحقوقيّة أنّ المحكمة التي اكتفت حتى اليوم بحصولها على تعاون أقرب الى الشكليّ من الجانب اللبناني، ستصطدم بصعوبة الحصول على أجوبة ومعلومات ووثائق وأدلّة تؤكّد الاستعداد للتعاون "في المضمون". والتطوّرات التي تشهدها المحكمة في الأشهر المقبلة ترجّح هذا الاصطدام، سواء بقيت هذه الحكومة أم حاولت الفرار بالاستقالة. إذ ليس في استطاعة أيّ عامل أن يعطّل المحكمة ويوقف مفاعيلها، خصوصاً أنّها قامت وفقاً للفصل السابع من نظام الأمم المتّحدة. وفيما المحكمة تتقدّم في خطواتها، تبدو عبثيّة محاولات تعطيلها بالـ"لاءات الثلاث": لا تمديد، لا تمويل، ولا تسليم!