مات قتلاً بالأمس جبّار طاغية، غمر إحساس بالنصر والسعادة كثيرين، وأكثر المبتهجين بعد الشعب الليبي بسقوط «معمّر الليبي»، الشعب اليمني المنتظر سقوط أو رحيل «معمّر اليمني» علي عبدالله صالح، الذي عاد إلى صنعاء ليقتل شعبه لا لتنفيذ المبادرة الخليجيّة، والثاني الشعب السوري المصر على عدم العودة إلى الوراء والتظاهر يومياً لم يفقد الأمل في إسقاط نظام معمّر السوري».
في يوم واحد وفي بضع ساعات طوت ليبيا وشعبها صفحة عائلة مجرمة حكمتها بالنار والقتل والإرهاب والفقر، في بضع ساعات تحوّل معمّر القذافي من حاكم مجنون إلى «جثّة»، وجدوه كجرذ مختبئاً في بيت قديم متهرئ، وكان يرجو الثوار [الذين وصفهم بالجرذان] ألا يقتلوه ولا يقتلوا أولاده، عائلة بكل جبروتها وطغيانها وتفنّنها في قتل الشعب تخاف الموت!!
والمفارقة في ما إعلام العالم مشغولاً في التأكد النهائي من جثّة القذافي المعروضة لتتأكد أنه «بشر وتجري عليه سنّة الله في موت البشر»، كانت قناة إعلام واحدة تنفي خبر مقتل القذافي وتكذّب الصورة المنشورة وتنعتها بالأكاذيب، هل هي المفارقة في اعتياد الكذب أم أنّه الخوف من اقتراب أشباح نهاية القذافي لتحيط بالـ»القذّافيْن» الباقيين؟!!
وصفت برقية صادرة من سفير الولايات المتحدة في طرابلس جين كريتز في عام 2009 بأنه «شخصية زئبقية وغريب الأطوار، يعاني من عدة أنواع من الرهاب، يحب رقص الفلامنكو الإسباني وسباق الخيل، يعمل ما بدا له ويزعج الأصدقاء والأعداء على حد سواء»، وذكرت البرقية أن القذافي يصاب بنوبة من الخوف اللاإرادي من المرتفعات لذلك فهو يخشى الطوابق العليا من البنايات، كما أنه يفضل عدم الطيران فوق الماء. معمّر القذافي ولد في جهنّم سرت وإلى جهنّم وبئس المصير يعود…
لن تعود القوانين في ليبيا تقول إن عائلة القذافي، كبيرهم وصغيرهم، دائماً على حق، وإذا حدث وخالف احد المنتمين للعائلة الحاكمة القوانين فإن الشرعية «الثورية» تقضي ببطلان ذلك القانون، وهو أمر مفروض بقوة السلاح، والسلطات المطلقة للعقيد القذافي، الذي يمتلك السلطة والثروة والسلاح، في ليبيا لوحده بفضل كونه القائد، أما خارج ليبيا فلن يعود أبناء القذافي لممارسة فضائحهم ويهدد أبوهم بسحب ملياراته من البلد الذي قرّر وضع حدّ لسلوك أبناء فاقوا أباهم في الشرّ ووقف دائماً في صفهم، حتى دخلوا قائمة «أسوأ الأبناء في العالم».
ليبيا ستهيل التراب على جثّث القذافي وأبنائه، وتدفن معه اثنين وأربعين عاماً من الإرهاب والجوع والفقر والقهر، وتنظر إلى الغد لتبدأ عملية ولادتها من جديد وطناً لا «زريبة شعب» تحكمه وتتحكم بمصيره عائلة مجرمة!!
ما اقترفه القذافي ونظامه من الجرائم كثير وأصعب من أن يُعدّ، فقد تورط إلى حد ارتكاب مجزرة في حق 1200 معتقل سياسي في سجن بو سليم عام 1996 فضلا ً عن قتل 50 متفرجاً رياضياً أطلق عليهم حرس ابن القذافي الساعدي في المدينة الرياضية بطرابلس الرصاص من نفس العام، وتورط إلى حد قتل ما يقارب 50 شهيداً سقطوا برصاص القناصة عام 2006 في أحداث انتفاضة 17 فبراير ببنغازي، وتورط إلى حد ارتكاب جريمة نصب أعواد المشانق لليبيين في الشوارع والساحات بل وفي حرم الجامعات على يد أنصاره فتحول طقس الإعدام الهمجي إلى احتفالات وانتصارات تاريخية وبطولات ثورية يتم نقل بعضها على شاشة التلفزيون الرسمي أو من خلال الدوائر المغلقة في الجامعات والمعسكرات!!؟؟ وهناك جرائم تتعلق باغتيالات واعتقالات لمعارضين وهدم بيوتهم والاعتداء على حرماتهم من قبل غوغاء اللجان الثورية أو منظمة شباب الغد الإرهابية وهناك جريمة اختطاف (منصور الكيخيا) من مصر عام 1993 وإخفائه حتى اليوم!! أو الجرائم التي ارتكبت بحق بعض ضيوف البلد وعلى رأسها جريمة اختطاف وإخفاء الإمام موسى الصدر، هذا عدا عن جرائم تتعلق بالتحريض على القتل والتصفية الجسدية خارج إطار القانون والقضاء العادل أعطى أوامره في خطابات رسمية ومعلنة ومسجلة (إعلانه بدء التصفية الجسدية لمعارضيه في الداخل والخارج عام 1981).
القذافي قتل، ولن يطول الأمر حتى تعرض الشاشات مجدداً صور طاغيتيْن من نفس فصيلة القذافي الإجراميّة، لأن هؤلاء لا يتّعظون أبداً، قيل في الأثر: السعيد من اتعظ بغيره، والشقيّ من اتعظ بنفسه، وهؤلاء ليسوا من جنس السعداء ولا الأشقياء، وقيل في الأثر: «كفى بالموت واعظاً» ولكن الجبارين عرّفنا الله في كتابه أنهم يُأخذون في قمة تسلطهم أخذ عزيز مقتدر، وحالهم كما قوله تعالى: }وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ! مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُؤُوسِهِمْ لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء{ [سورة إبراهيم 24-34].