التهرّب من مواجهة المشاكل، لم يكن يوما السبيل الصحيح للتفتيش عن حلول لوضع هذه المشاكل في موضعها الصحيح، بل يمكن القول ان التهرّب من المواجهة يزيد الامور تعقيدا، بحيث تصبح في مرحلة ما عصيّة على الحلّ المعقول فتنفجر في وجوه من يفترض بهم تذليل المشاكل وايجاد الحلول لها.
من المؤسف ان الحكومة الحالية التي شكّلت برئاسة نجيب ميقاتي قررت على ما يبدو اتباع اسلوب التهرّب من مواجهة المشكلات حتى السهل منها، وفي ظنها ان الوقت هو حلاّل المشاكل وليس قدرة المسؤول وشجاعته ووطنيته، ولكن الوقت على ما يظهر لا يلعب لمصلحة الحكومة وهذا الواقع بدا واضحا في انفجار اوضاع العمال والموظفين والاساتذة بعدما وضعت الحكومة هذه الاوضاع في عهدة الوقت لاستنباط حلول لها، فسقطت الحلول المرتجلة بسبب عدم استنادها الى وعي كامل لمشكلة الاجور والغلاء وقبل كل شيء بسبب عدم فتح صدرها واذانها الى صرخة هؤلاء ومعاناتهم في الوقت المناسب، ولكن الحكومة التي شبّت على سياسة الهرب ومن الصعب ان تصل الى مرحلة المشيب ليكتمل معها معنى المثل، ترفض حتى الرجوع عن الخطأ، لأنه فضيلة، وهي ليست حتما من اهل الفضائل ولذلك فإن الخطيئة التي وقعت فيها مع العمال والموظفين والاساتذة ستقع فيها بالتأكيد بتهربها من مواجهة مشكلات اخرى هي اخطر بكثير من مشكلة الاجور ووحش الغلاء، وهذه المشكلات تتدرّج في الاهمية على الشكل الآتي: معالجة شاملة وسريعة لإطفاء نيران الاشتباكات التي تتصاعد يوما بعد يوم على الحدود اللبنانية – السورية في منطقتي البقاع وعكار، وذلك بإرسال قوات كافية من الجيش وقوى الامن لضبط الحدود مع سوريا ومنع التهريب والتسلل على انواعه، من لبنان واليه، وطمأنة اللبنانيين الخائفين على ارواحهم وارزاقهم سبيلا الى وقف نزوح الاهالي الى امكنة اكثر امانا مع ما يجرّه هذا النزوح من مشاكل عائلية واجتماعية واقتصادية وتعقيدات في المستقبل سبق وعانى منها لبنان طويلا.
المعالجة الثانية الضرورية تنفيذ التزامات لبنان الدولية حرصا على مصداقية لبنان ومؤسساته الدستورية والقانونية وحرصا ايضا على صدقية واحترام ما سبق وتعهّد به رئيس البلاد ورئىس الحكومة امام مجلس الامن والامم المتحدة، اعلى واهم سلطة في العالم، وامام الشعب اللبناني.
المعالجة الثالثة التي لا تقبل ايضا التهرّب والتأجيل، وضع خطة نوعية وشجاعة لمكافحة الجريمة على مختلف انواعها، وذلك يكون بفرض سلطة الدولة والقانون على كامل التراب اللبناني دون اذن من احد ودون مراضاة احد سوى منطق العدل والحقيقة وقوة الدولة والقانون، وبخلاف ذلك لن يطمئن الناس ويناموا وابوابهم غير موصدة بالحديد والاقفال.
المعالجة الرابعة والاخيرة في مجموعة هذه الاولويات الاقدام على تطهير الدولة من الحرامية والازلام والمحاسيب والعاطلين عن العمل، وملء المراكز والملاكات الشاغرة بالاوادم واصحاب الكفاءة ونظيفي الكف، كما يرغب رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ان يكونوا، لا كما يريدهم اكلة الجبنة من بعض السياسيين، الذين يفتشون عن انصار ومحاسيب ليزيدوا بهم ورم الادارة وسوء حالها.
********
من دون ان تشرب حكومة نجيب ميقاتي حليب السباع، وتتصدّى للمشاكل الاقتصادية والامنية والاجتماعية والوطنية المزمنة، لن تقوم قائمة لهذا البلد، وسوف يستفيق اللبنانيون والحكومة يوماً، على النار تأكل اطراف وطنهم، قبل أن تصل الى قلبه، والى غرف نوم كل لبناني، واذا شعر رئيس الحكومة ووزراؤه انهم عاجزون عن اخذ المواقف الانقاذية، فمن الجريمة الاّ يطلبوا المساعدة والعون والمشاركة من جميع القيادات السياسية، ومن الجريمة ان يبقوا في كراسيهم اذا فشلوا، مع علمهم وادراكهم ان وطنهم يغرق في علامة استفهام كبيرة حول الحاضر والمستقبل.
لبنان الوطن، ليس ملكاً لاحد ليفرض رأيه على الآخرين، وليس ملكاً لطائفة لتفرض ثقافتها وعقيدتها على باقي الطوائف، وليس ملكاً لتيار او حزب او شخص، ليطوّب ذاته حاكماً أو رئيساً او قائداً الى الابد، انه وطن الآراء المختلفة، والثقافات المتعددة، ومهد الحرية والديموقراطية في هذا الشرق، ومن غير المسموح لأي كان ان يأخذه الى مكان آخر، كما من غير المسموح لأي مسؤول ان يبقى في مسؤوليته وهو عاجز.
الحكم ليس حقل تجارب، والشعب ليس فأراً في مختبر، واذا كان دستور الطائف وضع المسؤوليات الكبرى في عهدة مجلس الوزراء وذمته مجتمعاً، فعلى رئيس هذا المجلس وعلى وزرائه ان يكونوا في حجم المسؤولية الملقاة عليهم، وليس في حجم مجلس بلدي، أو مجلس ادارة شركة.
اعلموا أن التاريخ يسجّل.. وهو لا يزوّر ولا يرحم.
