عاد الجندي شاليت الى أهله. وعاد الأسرى الفلسطينيون الى أهلهم. واحد مقابل 477. إسرائيلي مقابل 477 فلسطينياً. ومع هذا يبدو بالنسبة الى كثيرين وكأن نتنياهو قدم "تنازلات" في هذه الصفقة. ويبدو أيضاً كأن نتنياهو خضع لواقع جديد في إسرائيل وفي العالم العربي. كأن نقول، أكانت تمت هذه الصفقة لولا "الربيع العربي"، أكانت تمت هذه الصفقة (على الرغم من كل شيء)، لولا رحيل حسني مبارك، والثورة السورية الراهنة، وتغير معايير حماس والسلطة تحت تأثير "الربيع الفلسطيني"، أكانت تمت هذه الصفقة لولا ارتخاء القبضة الإيرانية وإن نسبياً على قرارات حماس، أو "تمرد" الرئيس عباس "العجائبي" على الضغوط العربية والغربية؛ أكان عمد نتنياهو الى ذريعة معاقبة الرئيس الفلسطيني بإهداء الإفراج عن "المعتقلين" الى حماس! وفي المقابل أكان نتنياهو "غامر" بهذه الصفقة إزاء "معارضة" المتطرفين اليهود، لولا بروز ما سمي "الربيع العربي" في تل أبيب، والتظاهرات التي احتشدت احتجاجاً على الوضع الاقتصادي، وهيمنة قلة على المفاصل الاقتصادية 14 عائلة تهيمن على الاقتصاد الإسرائيلي: أكثر، أتُرى كانت تلك التظاهرات الإسرائيلية مقدمة لتحولات أكبر تنتقل فيها من المناحي "النقابية" الى ما هو أبعد: لتطاول طبيعة الكيان الصهيوني المتأكل؛ بل هل يمكن القول أن التحركات الشعبية في إسرائيل، إضافة الى الصفقة التي تمت، يمكن أن تكون مؤشراً الى "خريف الصهيونية"… مقابل الربيع العربي، في معادلة، هي التي وعورتها، تكون طريقاً شعبياً جديداً لحراك سياسي مختلف؟ ونظن أنه في الوقت الذي "التقى" فيه طرف الصراع الفلسطيني في لحظة "عودة" المعتقلين بما يشبه علامات "مصالحة" ما، يشوب المجتمع الإسرائيلي ما يمكن اعتباره "تمزقات" عضوية في نسائجه. إنها أكثر من "تمنيات"، وأقل من يقينيات؛ بل هي مزيج من الإثنتين معاً، يمكن أن نسميها "الانتظارات الكبرى".
إنها الانتظارات مقابل "الاستنقاعات". نقول ذلك لأن عوامل "مهمة" طفت على السطح أولها أن إسرائيل اليوم لم تعُد ضرورة لازمة للأنظمة الدكتاتورية والعكس صحيح: ولم تعُد هذه الأنظمة، سواء جماعة اتفاقات السلام، أم "الممانعات" و"المقاومات"، ضرورة لإدامة الوضع الإسرائيلي على "قوته" او بقاء الأراضي المحتلة في الجولان أولاً وفي مزارع شبعا من "الى الأبد الى الأبد". أكثر: لم يعد شعار "الصمود والتصدي" ومثله "إبادة إسرائيل"، و"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة" لا ذرائع عند العدو لاستدرار "الشفقة" العالمية، ولا ذرائع عند الطغاة لبقائهم في السلطة، وقمعهم شعوبهم، وتحويل الأوطان الى سجون كبيرة. إنها البدايات؛ فلنقل ملامح بدايات. أو رحلة الألف ميل. فبين "الربيع العربي" الذي يتعرض لثورات مضادة صعبة، والخريف الإسرائيلي الذي يتداوى بالصلف، والتعنت، والجنون، والاستيطان، والعنصرية، مساحات لا يمكن إلغاؤها بالنسبة للعرب بإحراق المراحل، أو بالاطمئنان الى "انتصار" تفصيلي، أو الخضوع مجدداً لإرادة خارجية، أو لوصايات كما كانت الحال في العقدين الماضيين (وقبلهما)، سواء لوصاية إيرانية أو سورية… أو عربية أو أجنبية أخرى. على هذا الأساس نعتبر أن ما جرى من تبادل أسرى مقابل أسير ليس سوى لحظة من لحظات. أو فلنقل لحظة تنفتح على أكثر من انتفاضة ذاتية أولاً، وأخرى على الاحتلال الإسرائيلي وأخرى على ما كان سائداً النظام العربي. ونظن أن عودة ما للقرار الفلسطيني الى شعبه بعدما توزع هذا القرار في أيد خارجية حوّلت القضية المركزية أوراقاً، مجرد أوراق، للمقايضة، أو للابتزاز، وصولاً الى القسمة، أو التقسيم الجغرافي بين السلطة وحماس، ولنفوذ هذه الدولة أو تلك، ولاسترقاق هذه الجهة أو تلك. القرار الفلسطيني العائد الى أهله نتمنى أن يكتمل، بعدما دخل أنفاق مصالح الآخرين، خصوصاً إيران. وهنا بداية الانتفاضة الذاتية. وهنا بالذات يمكن الكلام على "ربيع فلسطيني" تجلّى في تلك الإرادة الجماعية والإجماعية لضرورة المصالحة أو "اللقاء" أو توحيد الصفوف. وقد لعبت تلك الانتفاضة الذاتية دوراً جامعاً لا تجميعياً، ودوراً مُنتفضاً على كثير مما شاب المرحلة السابقة، خصوصاً بعد رحيل رمز فلسطين ياسر عرفات. وإذا كانت الانتفاضة الأولى في نهاية الثمانينات قد عبّرت عن مقاومة ضد العدو الصهيوني، بالحجارة، منطلقة من وحدة الصف، وإذا كانت الانتفاضة الثانية المسلحة اندلعت أيضاً في ظل قيادة واحدة، ثم ما لبثت (بعد عرفات) أن تشرذمت، فإن هذه الانتفاضة اليوم، تحاول تصحيح المسار الداخلي، لمزيد من تكتيل المواجهة مع إسرائيل، ضمن الشروط التي يختارها الشعب الفلسطيني وليس ضمن الإلزامات التي يمليها هذا النظام العربي أو الأعجمي وفقاً لمصالحه.
بداية "استقلالية" أو "سيادية" ضرورية لقيام دولة. أو لاسترجاع حقوق. فالفلسطيني المسلوب الأرض، والمشرد والمقهور يرى أن من واجبه اليوم أن يكون "فلسطين أولاً" شعاره الأكبر. وليس "فلسطين ثانياً أو عاشراً" في خدمة هذا الجهة، أو في استلاب مع تلك الجهة. إنه الكلام البديهي. وعندما نقول القرار الفلسطيني أولاً تحت راية "فلسطين أولاً"، و"الدولة الفلسطينية على الحدود كلها" أولاً، فلا يعني انعزالاً لا عن العالم العربي، لا العالمي، بل محاولة توظيف كل الإمكانات العربية والعالمية لخدمة القضية الفلسطينية، وليس محاولة توظيف القضية الفلسطينية لأهداف خارجية أو لوصايات باتت معروفة. أبو مازن انتفض بقدرة قادر على الضغوط الغربية والعربية في مجلس الأمن. ولم يكن انتفاضه مجرد قرار ذاتي، فردي، لحظوي، وإنما عبّر عن إرادة شعبية إجماعية عارمة، ما كان بالإمكان تجاوزها أو امتصاصها. وهذا ما حصل مع مشعل عندما وافى شعبه (ككل) في إرادته التوحيدية، بعدما كان جزءاً من منظومة خارجية ما تدّعي "حب" فلسطين زوراً، أو تأخذ القضية رهينة، أو باباً تنفذ منه لمحط لها في العالم العربي والإسلامي (كما فعلت مثلاً إيران في لبنان). نقول كل ذلك ونحن نعرف أن صعوبات جمة ستواجه هذا المنحى. وأن الكثيرين ممن هلّلوا لعودة الأسرى الفلسطينيين وللصفقة التي تمت، يُضمرون "نيات" أخرى، ويهيئون مخططات لإعادة ضرب الوحدة الفلسطينية المنشودة، ابتداء بإسرائيل وانتهاء بإيران مثلاً. لكن نظن في الوقت ذاته، أن إصرار الشعب الفلسطيني متمسكاً "بربيعه" العربي، قادر على اختراق مرحلة جديدة تكون فيها الكلمة الفصل له؛ وتكون من جديد في صدارة نضاله "فلسطين أولاً" لا إيران أولاً ولا سوريا أولاً ولا الصين ولا الهند ولا روسيا أولاً، ولا مطامح ومطامع بعض السياسيين. ونظن في هذا السياق، أن تنظيم هذه "العودة" الإجماعية الى "الوطن" السليب، لا يمكن أن تتم خارج الاعتماد على الديموقراطية، وعلى الشروط الناظمة للدولة الحديثة. صحيح أن الدولة الناقصة تعطي ديموقراطية ناقصة، وسلطة ناقصة، وسيادة ناقصة كما هي الحال في لبنان، لكن الصحيح أيضاً أن النضال لتحرير الأرض، ومواجهة العدو، لا يمكن أن يتم في علاقات داخلية متنافرة أو في اللجوء الى السلاح، أو في الاستقواء بالخارج. بمعنى آخر أن بناء دولة ديموقراطية مدنية فلسطينية لا يتنافى مع أي مقاومة فما بالك مع المقاومة الفلسطينية. ولا ينفع استلهام "نماذج" سلطة برانية (كولاية الفقيه)، أو استبدادية (كمعظم الأنظمة العربية)، أو دينية (كالكيان الإسرائيلي)، في مثل هذه المراحل الجنينية لإنشاء الدولة وترسيخها، وتكتيل الجهود. وهنا بالذات نشير الى ظواهر القمع التي مارستها "حماس" على الشعب الفلسطيني في غزة لفرض أنماط حياتية واجتماعية بالقوة، لا يؤدي سوى الى تعطيل الإرادات الجماعية، وتحويلها عن أهدافها الحقيقية. فالشعب الفلسطيني ككل هو الذي يقرر طبيعة نظامه، وليس فئة منه بقوة السلاح (كما يحدث مع حزب الله في لبنان)، والشعب الفلسطيني ككل (عبر ممثليه في ديموقراطية مباشرة) هو الذي يفرز أيضاً شكل المواجهة مع إسرائيل: وأي خلل في "السياقين" هو إعطاب لكل الجهود، ورجوع الى ثنائيات عدمية، تفضي الى انتزاع حق الشعب في تقرير مصيره. وهذا ما خبره وعلمه الفلسطينيون على امتداد محنهم، وها هم يضعون أصابعهم على جروحهم النازفة، ولا يستعيرون أصابع غيرهم لتدلهم عليها. بل ونقول فليتعظ هذا الشعب العظيم مما جرى ويجري في لبنان، عندما حوّلت أنظمة عربية وغير عربية وصولاً الى إسرائيل هذا البلد مطية. مجرد مطية، لفسادها، وابتزازها، بالسلاح التقسيمي وبالطائفية وبالحروب الأهلية، وبالقمع. أوليس هذا ما قسم ما تبقى من فلسطين فلسطينين، وبلدين، وسلطتين، ودولتين في الضفة والقطاع في مواجهة "إسرائيل" واحدة، وكيان واحد؟ اوليس هذا ما أراح العدو؟ أترانا ننفذ "إرادة" العدو بإملاء إيراني، ونحن نظن أننا نواجهه؟ ومن هو المستفيد من هذا "التقسيم" بين السلطة وحماس سوى إسرائيل وإيران وسوريا، وهي الأنظمة التي ترفض معاً (بالمصادفة أو بالمصادقة) كل حلّ يؤدي الى حصول الشعب الفلسطيني على حقوقه؛ لأن أي حل يضعف من نفوذها ومن استغلالها للقضية (تماماً كما هي الحال في لبنان). وهنا بالذات يمكن الرجوع الى الربيع العربي. صحيح أنه ثورة ضد الأنظمة الفاشية (والعائلية "الثورية" من غير شرّ)، والطغيانية، إلاّ أنه ثورة أدت الى فك ارتباط هذه الأنظمة ببلدان أخرى. بمعنى أنها أضعفت تأثيراتها وأشكال وصاياتها على تلك البلدان، إما بالسلاح والجوار كما في لبنان وفي فلسطين، وإما بمؤامرات غربية، وهذا ما أدت الى تحرر هذه الدول من "هيمنة" تلك الأنظمة. فالربيع العربي لا يقتصر على إسقاط تلك الطغم الأوليغارشية الحاكمة فقط، بل إبعاد شرورها عن الآخرين. فهي، بهذا المعنى، استقلالية وسيادية. فمعركة فلسطين التحريرية لا بد أن تكون استقلالية وسيادية وديموقراطية وتوحيدية، لكي لا يؤدي تحرير الأرض الى استجلاب وصايات جاهزة لتلعب دور الاحتلال الإسرائيلي. بمعنى آخر لا نحرر فلسطين من إسرائيل لكي نهديها الى إيران أو الى سوريا أو الى أي طرف آخر. وهذا يذكرنا بلبنان: حررت المقاومة الإسلامية الجنوب والبقاع الغربي واحتلتهما وتالياً سلمتهما الى الوصاية السورية. وهناك يصبح "التحرير" موازياً لاحتلال آخر: تتغير الأقنعة ولا يتغير الأساس. أوليس من أجل ذلك عمدت ولاية الفقيه والنظام السوري الى تقسيم التقسيم في الضفة والقطاع، لتهيمن على القسم الذي أفرزته لها حماس، قراراً ومالاً و"عقيدة" وسلاحاً؟ وهنا بالذات نعود الى الربيع العربي، لنرى أن إسقاط طاغية لا يستبدل بطغاة آخرين. وأن إسقاط نظام استبدادي لا يستبدل بنظام استبدادي آخر. والتحرر من وصاية خارجية لا يستبدل بوصاية خارجية أخرى. فالمهم اليوم، في فلسطين "الربيع العربي" أن تكون فلسطين التحرير اولاً، والديموقراطية أولاً، والسيادة أولاً، والدولة أولاً، وكلها أولويات متداخلة عضوياً، وكلها بنية واحدة إذا سقطت واحدة منها اهتزت كلها. وعلى هذا الأساس نرى أن "عرس" عودة الأسرى المعتقلين من السجون الإسرائيلية الى أهلهم وديارهم وشتاتهم لحظة في زمن. لحظة مفتوحة، لا مغلقة على أخطاء الماضي. لحظة تحفر طويلاً في التراب الفلسطيني، لتكون إشارة النضال من أجل انتزاع هذا الشعب حقوقه كلها، بعيداً من الافتئات، والشرذمة، لكي تكتمل شروط النصر بالجميع وللجميع. وهذا بالذات ما عنينا عندما ربطنا "الربيع العربي" بهذه الصفقة الموعودة طويلاً!