#adsense

عون على.. “صراخ”

حجم الخط

حين صرخ الجنرال ميشال عون بُعيد عودته من منفاه الباريسي في العام 2005، وأمام حشد من أنصاره ومؤيديه، وكانوا كثرا ومن مختلف الفئات اللبنانية، اعتقدوا انه آتٍ لينضم الى فوج الإستقلاليين الذين لا يريدون لجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ان تمر مرور الكرام كما حصل في كل مرة اغتيل فيها زعيم سياسي لبناني، والذين سئموا نظام الوصاية وأزلامه في لبنان ممن يعيثون فيه فساداً. حين صرخ في ذلك اليوم "يا شعب لبنان العظيم"، اقشعرت أبدان الواقفين تحت المنصة المحاطة بزجاج مضاد للرصاص. فهؤلاء، كما غيرهم كثيرين، ظنوا ان هذا الصوت الجهوري الذي يصفهم بالعظمة قد جاء الى لبنان من أجل خلاصهم. وهو في تلك الصرخة المدوية التي أعطت خطبته اندفاعة كبيرة ليلقي على المستمعين وعودا وشعارات وأفكارا، كان يفتتح عهدا من الصراخ لم ينتهِ فصولا حتى الآن.

فمن بين كل ما قام به ميشال عون في خطبته الأولى تلك وكل ما قدمه من وعود نكثها جميعا، لم يتبق الا الصراخ الممضّ والمدوّي والمليء بكلمات غير واضحة ومتلعثمة وفارغة من أي معنى، اذ ان الصراخ والانفعال يحلّ محل المعنى، وبعض الجمهور يحب الانفعال والتهديد والوعيد. هذا دأب المتخرجين من مدارس عسكرية ويصلون فيها الى اعلى المناصب فتأخذهم الفوقية والشعور بالاستعلاء على من يقف تحتهم من جمهور يستمع الى خطبهم، فيضرب "الإيغو" الى أقصاه، ويصير الجميع تلامذة، لا بد من الصراخ عليهم حتى يفهموا، وما دكتاتوريو العالم الثالث أصحاب الإنقلابات العسكرية الا امثلة جلية على ذلك، ناهيك عن ديكتاتوريي الحرب العالمية الثانية من هتلر الى موسوليني الى فرانكو.

لو كان الأمر بيده، لما كان ميشال عون الا ديكتاتوراً. فهو يملك الصوت المرتفع والجهوري، ويمتلك العقل القامع الذي يستخدم هذا الصوت، ويتمتع بكل "الإيغو" المطلوبة. أما الصوت، فلا داعي لكثير شرح، من يفتح أي نشرة أخبار لبنانية يسمعه.

أما بالنسبة لصراخ العقل، فعلى المتابع ان يقرأ كلمات عون كلمة كلمة، ليعرف انه لا يقول شيئا غير الإتهام، ويبطّن الشتيمة بالدوران حولها، كمن يغلف رائحة جثة بالعطور، ويصرخ على الصحافيين الذين يسألونه سؤالا لا يناسب ما يريد الإجابة به. ويصرخ بالآخرين من السياسيين لأنهم "آخرون" وليسوا في صفّه، ويمدّ لسانه السليط نحو شجرة الحياة السياسية اللبنانية ليلتقط عنها فضيحة مفبركة نحو هدف وهمي، لا يراه الا في المرآة.
في "الإيغو"، حدِّث ولا حرج. لا يمكن لسياسي أن يعتقد أنه الوحيد "النظيف" في البلد من خلال صراخه وتوتره وهو خاض حربين فاشلتين مات فيها من مات وتدمّر ما تدمّر، الا إذا كان يتمتع بقدر عال من "الإيغو".

كيف يمكن تشريد مسيحيي بيروت "الشرقية" في حرب مع "القوات اللبنانية" دمرت الأشرفية، ثم يؤرشف الموضوع كأن شيئا لم يكن؟ ثم يخوض حرباً مع الجيش السوري ويترك جنوده لإعدامات جماعية بعد تهجير كل سكان بيروت، ثم يؤرشف الموضوع وكأن شيئا لم يكن؟ ثم مؤخرا يدافع عن أحد المقربين منه متّهم بالعمالة لإسرائيل ويمرّ دفاعه عنه كأن شيئا لم يكن؟ إنه "الإيغو" الملعلع.

عند خروج الجنرال من لبنان الى باريس، راح مناصروه يكتبون على الجدران "عون راجع"، وكان اللبنانيون يقولون: "حسنا نحن في انتظاره"، لكنهم بالتأكيد لم يتوقعوا أنه سيعود على هيئة "ميكروفون" مصاب بالتشويش يطلق أصواتاً نشازاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل