كتبت كلوديت سركيس في صحيفة "النهار": في مقابلة صحافية هي الاولى له منذ تسلمه مهماته في وزارة العدل قبل مئة يوم، قال وزير العدل شكيب قرطباوي في حديث الى "النهار" ان "ثمة مشكلة على مستوى القضاء لجهة كيفية تعامل الناس معه ونظرتهم اليه وكذلك نظرة القضاة الى انفسهم".
وكشف أنه يعمل بالتنسيق مع هيئات المجتمع المدني على اطلاق مشروع "الهيئة الوطنية للمفقودين".
■ مضى مئة يوم على توليك الوزارة. ما رأيك في وضع القضاء؟
– دخلت قصر العدل محاميا متدرجا قبل 40 عاما ولم أقم بأي عمل طوال حياتي سوى المحاماة. أنا محام ممارس ونقيب سابق للمحامين. عرفت الكثير من مشاكل العدلية التي دخلت اليها قبل ان يولد الكثير من القضاة الحاليين، ولكن عندما تسلمت مركز المسؤولية وجدت ان المشاكل أكبر مما كنت أعرف على كل المستويات. فوزارة العدل ليست جزيرة منعزلة. هي جزء من لبنان المليء بالمشاكل. أبدأ من مشاكل أبنية قصور العدل، ومشاكل في وزارة العدل وأخرى على مستوى الكتبة والمساعدين القضائيين. وثمة مشكلة على مستوى القضاء لجهة كيفية تعامل الناس معه ونظرتهم اليه وكذلك نظرة القضاة الى أنفسهم. وبعيدا من الإعلام كنت خلال المئة يوم هذه أكوّن فكرة أوضح عن الوضع القضائي من الداخل. عقدت اجتماعات متلاحقة مع كل من يعنيهم الأمر وخصوصا مع مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش وقضاة مجلس شورى الدولة. التقيت قضاة كثرا بعيدا من الإعلام. كما عقدت اجتماعاً مقفلاً مع قضاة النيابات العامة وقضاة التحقيق في لبنان في قاعة محكمة التمييز ونقلت، كمواطن وكمحام ووزير للعدل، نظرتي اليهم كما التقيت قضاة محكمة التمييز كوني مسؤولاً عن ادارة المرفق القضائي. ومما بُحث فيه موضوع التوقيف الاحتياطي وتسريع المحاكمات ومدى الإنتاجية ونوعية الأحكام التي تصدر عنهم، وكثرة النزاعات التي هي في جوهرها نزاعات مدينة وتُعطى ظاهراً الطابع الجزائي.
■ وهل رأيتها كافية ؟
– لا، سواء في محكمة التمييز أو في محاكم أخرى. وهذا الكلام أوضحته للقضاة من باب المصارحة. والتقيت الرؤساء الأول لمحاكم الاستئناف بهدف ايصال صوت المواطن ووزير العدل مباشرة الى القضاة. طبعا هناك حملات تتناول بعض القضاة والقضاء ككل. وفي كثير من الأحيان يحصل تجنّ وتعميم، الا انني في الحقيقة وجدت من الداخل وضعا أصعب مما كنت أعرفه ووجدت المشكلة أكبر. بدأت الدولة خطوات. الأولى لإنصاف القضاة كسلطة، كان مجلس القضاء والوزير السابق للعدل بدأاها قبلي ثم في لجنتي الإدارة والعدل والمال وساعد بذلك الى حد كبير رئيس مجلس النواب، فهذه السلطة القضائية تجب مقارنتها بالسلطتين التنفيذية والتشريعية. وهذا حق للقضاة وليس امتيازا، فهم السلطة التي نتغنى دائما بأننا نريدها مستقلة يجب ان تنصف وان يكون للقاضي ما يكفيه لحياة كريمة. هي خطوة اساسية. وهنا اوجه الشكر للسلطات جميعا والشكر الأول والأكبر للشعب لأننا وزراء وقضاة نتقاضى رواتبنا منه. انما هذه الخطوة يجب ان تتزامن مع خطوات أخرى بتعزيز استقلالية القضاء، ليس في النصوص فحسب انما في الواقع. فأسأل: عندما أنصف الشعب الجسم القضائي ماذا على هذا الأخير ان يفعل؟ مزيد من الاستقلالية والإنتاج وتسريع المحاكمات بدون تسرع وحضور القضاة الى قصر العدل وصدور الأحكام ضمن المهل المحددة في القانون وتسريع بت قضايا الموقوفين. هذا حق لكل موقوف، فقرينة البراءة قائمة حتى صدور الحكم النهائي. وواجب على القضاء ان يسرع بالمحاكمة لبت قضية المتهم أو البريء ويخفف في الوقت عينه الاكتظاظ في السجون.
■ حصلت اجتماعات قضائية قبل شهر. هل بدأت تلمس ما توخيته؟
– لا أحد يملك حلا سحريا. أنا أو سواي. والوضع لا يتغير بكبسة زر. هو مسار يبدأ. بدءا من مراقبة عمل الضابطة العدلية كما يجب، والتخفيف قدر المستطاع من الاستنابات عندما يستطيع القاضي ان يحقق مباشرة، وان يكون التوقيف الاحتياطي الاستثناء، والحرية هي المبدأ. ربما بعض القضاة لن يرتاحوا الى ما سأقوله ومضمونه ان لدي شعورا كمواطن وكمحام أن ثمة توقيفا احتياطيا غير مبرر. طبعا من حق القاضي ان يقرر ولكن من خلال المراجعات التي تردني أشعر ان بعض النيابات العامة وبعض قضاة التحقيق يلجأون أحيانا الى توقيف إحتياطي غير ضروري، فلا يتركون لقاضي الحكم الكثير ليقرره. ولا يعني ذلك انني أؤيد النظام الأنغلوساكسوني بتخلية الموقوف بكفالة أيا كان الجرم الى حين محاكمته، فهذا ليس نظامنا القضائي ولكن يجب ان نتذكر دائما أن الحرية هي المبدأ والتوقيف هو الاستثناء.
■ الكل يتحدث عن استقلالية القضاء. فما هي استراتيجيتك؟
– استقلالية القضاء أصبحت الى حد كبير لغة خشبية في لبنان، أي يكثر الكلام عنها ولا أحد يصدق الذي يقال. أما كيف السبيل لتحسين الوضع فلا أوهام لدي لأن هذه العملية لا تتحقق بشهرين أو سنتين. الذهنية يجب ان تتغير بالكامل بدءا من ذهنية المواطنين. عليهم أن يقبلوا بأن ليس كل شيء يحتاج الى واسطة. ربحت في مسيرتي المهنية دعاوى كثيرة ولم أكلم قاضيا يوما في صددها. ربحتها لوجود حق فيها. على المواطن ان يقبل بأنه يوجد قضاة كثر مميزون علما وكفاءة ونزاهة وأن ثمة دعاوى تخسر في ذاتها. يجب عدم التعميم على الجميع. ان أكثرية القضاة جيدون.
وثمة قضاة لديهم مشاكل في الإنتاج أو مشاكل تحلها مجالس تأديبية وهي موجودة ويجب تفعيلها وتفعيل أكبر لدور التفتيش القضائي. كما ان المادة 95 من التنظيم القضائي تسمح لمجلس القضاء بناء لإحالة التفتيش القضائي ان يعلن عدم أهلية قاض معين.
قلت أمام الرؤساء الثلاثة وأمام القضاة وأقول الآن أمام الناس وضميري ان هذه المادة فرضت واجبا على هاتين الهيئتين هو تطبيقها، فهي تسمح بإعلان عدم أهلية قضاة وليس الأمر تشفيا" أو سياسة. انما ان نعتبر اننا في جمهورية الملائكة فهذا غير صحيح. نحن لسنا فيها. المحاسبة هي اساس كل شيء في كل جسم. انا وزير ولمجلس النواب ان يحاسبني بسحب الثقة مني ويمكنه أن يعيدني الى منزلي. والنائب يحاسبه الشعب كل اربع سنوات. والجسم القضائي يحاسب نفسه. وقوانينه موجودة. أدعو الى مزيد من الفعالية لإستعادة ثقة الناس به واستعادة القضاة ثقتهم بأنفسهم كجسم مستقل. واضافة الى تغيير ذهنية الناس يجب ان نغيّر الكثير من ذهنية السياسيين والنافذين. علينا ان نقبل بإنشاء سلطة قضائية مستقلة التي هي الحماية لكل الناس. فالقاضي الذي يقبل بواسطة فلان يقبل بواسطة الآخر. والقاضي الذي يجيب على الناس لكن قراره ينبع من ملفه هو ضمان لكل الناس. وفي المقابل يجب ان يقتنع الكثير من القضاة انهم ليسوا موظفي فئة أولى، مع احترامي لكل الموظفين، انما هم سلطة، والمناعة الداخلية عند القاضي أساسية ويقاوم من الداخل اي تدخل. كما أتوجه الى القضاة والشباب منهم خصوصا أن يتذكروا دائما ان التواضع ملازم للمعرفة، والجرأة ملازمة للاتزان. يجب التخفيف عند البعض من الشعور بالتفوق. وهنا يقتضي ان نتذكر انني لست من يجري التشكيلات القضائية انما ابدي ملاحظات عليها. وعندما ستحصل ستتركز بالنسبة لقضاة الجزاء على اختيار القاضي الناضج في الخبرة والتواضع والانفتاح. أنا ضد مبدأ التخصص في القضاء اللبناني وأدعو الى ان يتنقل القاضي في القضاءين المدني والجزائي. هذا مشروع يحتاج الى تعديل في القانون ليكون هذا الانتقال الزاميا فيلمّ القاضي بكل الأمور ومن كل الزوايا. ان القضاء هو العمود الفقري لدولة القانون التي ليست كلاما انما ممارسة. ادرك مدى الصعوبات والمشاكل، ولا اريد رمي كل شيء على القضاء، انما من قبل ان يجلس في الصف الأمامي من المجتمع عليه تحمل مسؤولية الجلوس في هذا الصف وليس الجلوس فيه فحسب. فللقاضي رأيه السياسي كمواطن، وهو حر فيه، ولكن عندما يقرر في الملف الذي بين يديه فالملف من يُقرر وليس أي رأي آخر. فبدون القضاء المستقل لا يمكن بناء وطن. وأعمل كثيرا على ان يكون في القضاء نوع من التقييم يبدأ بعمل القاضي عند خروجه من معهد القضاة وحتى احالته على التقاعد. وضعت مسودة استمارة تقييم يجري العمل عليها لجهة نوعية العمل وكميته ليكون هذا التقييم مستندا أساسيا في عملية التشكيلات القضائية. هذا ما أطمح اليه. وان شاء الله نستطيع تطبيقه قريبا بعيدا من الكلام والسياسة والطائفية. هو تقييم علمي وأخلاقي للقاضي فحسب. أطمح الى قضاء كله نشاط مؤمن بذاته وبثقته بالنفس والشعب يثق به. أنا مواطن ولا أتميز عن أي انسان في لبنان، الا بزيادة مسؤوليتي كوزير للعدل، والقضاء المستقل يحميني ويحمي كل انسان. نتمنى تحسين كل هذا الوضع لتتمكن الناس من الشعور بأننا في جمهورية قانون.
■ ماذا عن تعيين رئيس مجلس القضاء الأعلى؟
– لقد تأخر الأمر قليلا ولا تزال المشاورات جارية. وآمل ان يتم التعيين قريبا.
■ لماذا ألغى مجلس الوزراء المباراة التي اجريت للمساعدين القضائيين؟
– ثمة نقص كبير جدا في عدد الموظفين. وهذه المباراة تُلغى للمرة الثانية. والمباراة الأخيرة اجريت وصُححت المسابقات قبل تسلمي مهماتي. حصل نقاش في مجلس الوزراء حولها وكانت للحكومة أسبابها ولن ادخل في التفاصيل حفاظا على سر المذاكرة. هي قررت الطلب إليَّ القيام بمباراة جديدة لملء 50 في المئة من الشغور. وأمس حضرنا جدول مواعيد المباراة الجديدة وسنعلن عنها خلال أيام. وأؤكد أننا سنسرع بقدر المستطاع فننتهي من هذا الموضوع.
وردا على سؤال، قال قرطباوي: "الناس تنتظر تغييرات، ولدي ارادة التغيير وإصلاح الجو القضائي عموما، ولكن أتمنى عليهم ان يتذكروا ويقبلوا بأن وزير العدل ليس قاضيا ولا يحل محله. فنحن ندعو الى قضاء مستقل ويجب الا نفعل العكس". وعن تمويل المحكمة قال ان هذا الموضوع يطرح على مجلس الوزراء "وعندما يحين الوقت يتخذ القرار المناسب".
وعن موضوع المفقودين اوضح انه يعمل حاليا، بالتنسيق مع جمعيات المجتمع المدني المهتمة بهذا الموضوع، على إطلاق مشروع الهيئة الوطنية للمفقودين، علما ان النائب حكمت ديب قدم اقتراح قانون بهذا الشأن. "آمل في وضع حل انساني وواضح لهذه المأساة التي تدمي قلوب عائلات كثيرة، وهذه مشكلة وطنية لا يمكن تجاهلها".