عندما اتخذ رئيس اللقاء الديموقراطي سابقا النائب وليد جنبلاط قراره بتسمية الرئيس نجيب ميقاتي لتولي رئاسة الحكومة خلفا لرئيس تيار المستقبل وزعيم السنة في لبنان ومحيطه سعد الحريري،على وقع الظروف الامنية التي رافقت عمليتي الاسقاط والتأليف الذي انتج الحكومة الحالية، كان المشهد سوداوياً امام ناظريه لما قد ترتب على معانتده من مضاعفات سلبية في حال عودة الحريري الى السراي الكبير،اذ هو انطلق من خوفه الدائم على طائفته ،فأراد ابعاد نتائج الصراع الدموي مع حزب الله عنها، والحفاظ على البيئة الدرزية في الجبل بعيدة عن اية خروقات عسكرية – امنية وديموغرافية على وقع النتائج الدموية.
واراد ايضا النائب جنبلاط تجنيب لبنان الفتنة المذهبية بين السنة والشيعة، وكان المشهد الاقليمي – الدولي يميل لصالح محور الممانعة بامتداداته الى لبنان، ولم تكن بعد انطلقت شرارة الثورات العربية مؤذنة بداية الربيع في هذه المنطقة التي شهدت نهايات مذلة لعدد من الحكام، اذ لم يسترجع ايا منهم «الفروسية والكرامة» العربية ليلقى حتفه بشرف اسوة بالملكة كليوباترا، او ادولف هتلر الذي امر بحرق جثته بعد اعدام ذاته برصاصة واحدة خلافا لقواعد الانتحار السائدة مؤخرا،والى ذلك كان باستطاعة الوزير جبران باسيل تحدي الرئيس الاميركي باراك اوباما ليعلن وفق توقيته اسقاط حكومة زائر البيت الابيض يومها رئيس حكومة لبنان سعد الحريري وهي التي شكلت على اساس روحية اتفاق الدوحة وحظيت بتأييد عربي، اوروبي واميركي.
في ظل هذه الوقائع رفض النائب جنبلاط ،ان تخسر طائفته معه او من دونه، رفض مبدأ ابو الطيب المتنبي في الوقت الضائع، وتماشى مع المناخ الظرفي، واضطره الامر ان يوجه انتقادات قاسية الى اصدقائه الحلفاء الذين كان واياهم في الصفوف الاولى ،لكن تبين له بان تحييد الطائفة لم يجنبها نهج التمدد السياسي والديموغرافي نحو اعماقها على حساب خصوصيتها وفق ما يقول امام زواره،ومن ثم تبين له ايضا ان تجاوز العدالة الدولية يؤدي الى الفتنة التي كان هرب منها واذ هي قد تعود نتيجة مواقف وممارسات قوى 8 اذار، ومع كل ذلك بات يرفض ان يبقى متفرجا على اخطاء الفريق الحاكم على قاعدة انه وسطي في المعادلتين السياسية والحكومية او من المفترض عليه ان يغيب عن دوره العربي في هذه المرحلة من الربيع العربي وايضا يتطلع رئيس جبهة النضال الوطني النائب جنبلاط بعد دخوله الحكومة، الى المشهد الاقليمي الذي شهد تطورات غير مرتقبة ،قياسا الى حقبة اسقاط الحريري ولا سيما سوريا التي كان نصحها رئيسها بشار الاسد باعتماد الاصلاحات لاستيعاب مطالب الشعب الثائر ،وبدأت في الوقت ذاته تواجه قرارات دولية تدرج عقوبات تصاعدية، وفي ضؤ هذا الامر بدا واضحا بأن حلفاء سوريا في لبنان يتهافتون على اقتسام موارد البلد بعد ان استفردوا بالحكومة، عاملين بسرعة على تحصين اوضاعهم المالية قبل اية احداث دراماتيكية قد تصيب النظام السوري وترخي بنتائجها على لبنان وحكومته، اما اذا ما فرض مأزق التمويل على الرئيس ميقاتي الاستقالة وسقوط الحكومة، فعندها يخسر النائب جنبلاط وحده مع الرابحين، اذ بامكان حزب الله تدبير امره بعد ان ارسى بنية دولته وتخرج القوى الاخرى مظفرة بالغنائم، وعندها امام المشهد الجديد الذي سيفرضه الواقع الذي يرسمه في ذهنه ،لن يكون صديقا لحزب الله لانه مؤيد للمحكمة وتمويلها.
والى ذلك لن يكون قد اعاد ترميم العلاقة مع زعيم السنة سعد الحريري اذا ما كانت السعودية لا تزال عاتبة عليه لتسميته ميقاتي ،اذا من الافضل المبادرة نحواعادة التقارب السياسي مع كل هذا الفريق من خلال جملة مواقف اطلقها بعد مشواره حتى الان مع قوى 8 اذار، انما لم يعد باستطاعة النائب جنبلاط تحمل خطوات امنية لا يمكن تقبلها اسوة بخطف شبلي العيثمي من جانب عناصر معروفة الانتماء، وكذلك كان خطف الملازم صالح علي الحاج للمواطنين السوريين وتسليمهم الى الاجهزة الامنية السورية بالواسطة، وفي موازاة جملة تجاوزات امنية بدات تظهر مؤخرا على حساب الشرعية او من داخلها وفق تحرك نافر ومزعج لعدد من المعارضين السوريين، وتدخل الممارسات التي يعتمدها وزراء تكتل التغيير والاصلاح في الحكومة عاملا مؤثرا ليرفض كل الواقع الناتج عن المحور الذي يحضن النائب العماد ميشال عون، لانه اعطى التصور الكامل للمرحلة التي ستشهد احادية مطلقة اذا ما تمكن هذا الفريق من تجاوز استحقاقات مصيرية،ثم ان اقرار خطة الكهرباء لم تقر لولا اعتماد ملاحظات وزراء الحزب التقدمي داخل الحكومة بعد ان كان الوزير باسيل يرفض اية ضوابط ،لكن ما شهدته الجلسة الاخيرة لمجلس الوزراء من «فجور» كما هو الكلام في محيط جنبلاط دلالة واضحة على ان النقاش غير مقبول وهو مطلب صعب المنال والمطلوب ان يكون رفاهية ولتمرير الوقت ,ولذلك لا بد من طرح علامات استفهام حول المستقبل السياسي للبلد بعد ان يصبح ممنوعا على الوزير المناقشة داخل مجلس الوزراء ولكن حتى الموقف المفصلي لجنبلاط في الجمعية العمومية للحزب، كانت عدة مواقف من قبل فريقه السياسي تدل على العناوين الثابتة لعدة مواضيع، احداها سيادية من خلال رفضه لاستمرار القوات السورية في خرق الحدود اللبنانية، وآخرها رفضه الكيدية لعدم قبوله باقالة رئيس شعبة المعلومات العقيد وسام الحسن الذي دافع عن دوره بقوة الوزير غازي العريضي، ثم كان موقفا مكملا من جانب النائب اكرم شهيب بالدفاع عن مدير قوى الامن الداخلي اللواء اشرف ريفي الذي وصفه «بالبطل» بعد الحملة التي شنتها عليه قوى 8 اذار لكشفه عملية خطف الملازم الحاج للمواطنين السوريين، فتقبل جنبلاط لحزب الله كحالة لشريحة لبنانية وتحمله ممارساتها لعدة عوامل، هو امر لا ينطبق على القيادة السورية التي تعامل مواطنيها بالعنف ودخلت المصير المجهول ،لذلك لا يجد حرجا ان يكون قد اضحى على هذا الواقع من العلاقة معها لانه كاشف الرئيس السوري وجها لوجه بضرورة المباشرة بالاصلاحات العملية، لكن القيادة السورية ارادت ممارسة المكابرة الخاسرة وفق ما يردد امام زواره، اذ من غير الممكن ان يكون حليفا لمحور الممانعة في موضوع محدد وهو مواجهة اسرائيل ولا تتقبل منه القيادات في هذا المحور نصائحاً تحمي هذا المحور وشعوبها التي تكبدت اثمانا باهظة على مدى عقود من هذه الشعارات التي كانت على حساب تطورها الديموقراطي والاجتماعي.
فان مهاجمة النائب جنبلاط الذي اعاد مد الجسور مع النواب الاربعة «الخوارج» من اللقاء الديموقراطي، من قبل حلفاء سوريا لتصويب مساره وابقائه في محورها لن يعطي نتيجة لان الرجل اتخذ قراره بالابتعاد عنها يوما في اللحظة ذاتها التي اتخذ قراره بزيارتها مجددا … والعودة منها للجلوس على ضفة النهر… للانتظار..!