الموقف الحازم الذي اتخذه أهالي ترشيش برفضهم أن يمد "حزب الله" شبكته الهاتفية الخاصة عبر بلدتهم، يعكس موقفا أوسع وأكبر للمجتمع اللبناني الرافض لهذا الحزب ولأساليبه، وسلوكياته الخارجة على القانون والشرعية والاجماع الوطني، ولكنه موقف ينطوي على شجاعة استثنائية في وقت استسلمت فيه معظم القيادات اللبنانية لمنطق القوة الذي مارسه "حزب الله" على مدى الاعوام الستة الماضية، وقد نجح في جني "ثمار" انقضاضه على المجتمع والدولة معا، في مقابل تواطؤ مخيف، وإذعان أكثر سوءاً.
إن موقف هؤلاء هو درس للقيادات الاستقلالية من دون استثناء، مفاده أن الشعب لن ينتظر بعد اليوم مواقف قادته، بل إنه عندما يعلن رفضه للشبكة الهاتفية غير الشرعية انما يبين تمسكه بالدولة وحدها كمرجعية، ويكشف ضعف القادة وتهاونهم، لا بل إذعان الكثيرين منهم، او استقالتهم من واجباتهم الوطنية التي تفرض عليهم جبه هذه الحالة الاخطبوطية التي يمثلها "حزب الله".
و الحال ان "حزب الله" وهو بطبيعته نقيض الدولة ونقيض العيش المشترك، ونقيض السلم الاهلي، ونقيض الكيان اللبناني بات مع الوقت "مادة حارقة" للمبنى الوطني بشكل عام. وعلى غرار سامي الجميل، يؤمن ملايين اللبنانيين ان "حزب الله" يسير في اساليبه وسلوكياته على خطى الحركة الصهيونية. فالتمدد العقاري – الديموغرافي – الامني لا يختلف كثيرا عما شهدته فلسطين في حقبة الوكالة اليهودية، وانتهت باستيلاء اليهود على قسم كبير من الاراضي العربية حتى قبل اندلاع حرب 1948 نفسها. البعض يسمي هذا التمدد استيطانا وجب الحؤول دون استمراره بأي ثمن لأنه يغير وجه البلد، وينسف أسسه.
طبعا لا تجوز المقارنة بين مواطنين واليهود في فلسطين، لكن لنكن صريحين جدا، ان فئات واسعة من اللبنانيين من كل المناطق ترى في تمدد "حزب الله" المبرمج في كل اتجاه عملا عدائيا لا يقل خطورة عما حدث في فلسطين. واذا كان ثمة من يعترض على التشبيه فلهم نقول، ان "حزب الله" ينفذ سياسات لا يمكن ان تطمئن لبنانيا واحدا اللهم في ما عدا هؤلاء المتواطئين لاسباب معروفه من القاصي والداني، ليس اقلها الفائدة المادية المباشرة.
ان مقاومة سعي "حزب الله" الى مد شبكته الهاتفية الخاصة، وسط تواطؤ "حكومة المطلوبين"، هي مقاومة لمشروع خطير على مستقبل البلد. و مع ان مسألة شبكة الاتصالات كانت الشرارة التي اشعلت غزوات ايار 2008، إلا ان ما اسميناه ذات مرة واجب مقاومة "المقاومة" يتأتى من احساس عميق بالخطر الذي يمثله مشروع "حزب الله" في لبنان وعليه. ففضلا عن تبعيته لاجندة خارجية، بات اليوم اكثر طموحا من مجرد بناء دويلة، بإعتباره يعمل على وضع اليد على الدولة بالسيطرة عليها أولا عبر تحالفات مركبة كالتحالف الاكثري القائم اليوم، ثم بـ"غزو" الادارات العامة وزرعها بالموالين. هذا غيض من فيض، واليوم واجب الاستقلاليين الوقوف صفا واحدا خلف ابناء ترشيش لانهم يلقنوننا درسا عظيما في الوطنية اللبنانية.