#adsense

حذار من تضييع السياقات الكيانية عند طرح قضايا مسيحيي الشرق

حجم الخط

إنّه لأمر شديد الأهميّة أن تثار في هذا المنعطف التاريخيّ بالذات مسألة مسيحيي الشرق العربيّ ككل جامع على اختلاف السياقات الوطنية، بل هي سابقة. مع ذلك، فسواء طرحت المسألة المسيحية الشرقية العامة من موقع "حلف الأقليّات" المرتهن إلى "منظومة الممانعة" أو طرحت من موقع "شراكة الأحرار والمتساويين" "الربيع العربيّ"، فإنّها تحاذر بتضييع أهم مكسب حقّقه المسيحيّون العرب في القرن الأخير: تشكّل الهويّات الكيانية المتفاوتة للبلدان العربيّة المختلفة.

جميلٌ أن يجري التفكير في المسألة المسيحية الشرقية في بعدها الإقليميّ الحضاريّ الشامل، لكن بشرط عدم تضييع السياقات المختلفة التي طرحت فيها المسألة القبطية في مصر، والمسألة المارونية في لبنان، ومسألة مسيحيي سوريا والعراق. وفي حال لبنان بالتحديد، ينبغي المحاذرة بشكل رئيسيّ من أن يجري تمييع التفكير في المسألة المارونيّة بحجّة توسيع مدى التفكير إلى عموم المسيحيين في عموم المنطقة.

يشكل مسيحيّو لبنان، وبشكل أساسيّ الموارنة، أكبر مجموعة مسيحية في بلد عربيّ من حيث نسبتهم إلى مجموع سكّان البلد الصغير. ويشكّل مسيحيّو مصر، وبشكل أساسيّ أقباط الكرازة المرقسية، أكبر مجموعة مسيحية من حيث العدد في البلد العربيّ الأضخم من حيث السكّان.

في هذين البلدين، تطوّرت الهوية الكيانية الوطنية على أساس الوعي الشديد لمركزية الثنائية المسيحية الإسلامية. فثورة 1919 التأسيسية للهوية الوطنية المصرية الحديثة كانت ثورة الثنائية المسيحية الإسلامية بامتياز. وميثاق 1943 التأسيسيّ للهوية الوطنية اللبنانية المستقلّة كان ميثاق الثنائية المسيحية الإسلامية بإمتياز.

في البلدان الأخرى، أي في سوريا والعراق، لم تتطوّر الهوية الوطنية الكيانية الحديثة يوماً كهوية ثنائية إسلامية مسيحية، هذا بصرف النظر عن أحوال المسيحيين في هذين البلدين في هذه المرحلة أو تلك. الخلاصة إذاً: ثمة عناصر أساسية للمقارنة والمقابلة بين المسألتين المارونية والقبطية، وليس هناك ما يكفي من عناصر مشتركة بين هاتين المسألتين وبين المسألة المسيحية كما تطرح نفسها في سوريا والعراق.

أكثر من ذلك، لم يتح للهوية الوطنية الكيانية السوريّة أن تتطوّر بالشكل الكافي قبل الثورة الشعبية الراهنة. فسوريا بعد استقلالها عن المستعمر الفرنسيّ جهدت بشكل محموم لتناسي حقبة كانت فيها مقسّمة إلى دويلات إدارية على أساس طائفيّ أو مناطقيّ نافر، وبسبب من ذلك لم يقدّر لتجربتها الديموقراطية البرلمانية أن تعمّر طويلاً، وسرعان ما أتت عليها الديكتاتوريات العسكريّة، ثم تجربة الوحدة التمصيرية مع جمال عبد الناصر، ثم الكابوس الذي اسمه "حزب البعث العربيّ الإشتراكيّ". وفي المحصّلة ظلّت سوريا في مرحلة ما بعد الإستقلال الوطنيّ تعامل نفسها كـ"كيان ناقص": فإما هو يطلب الإلتحاق بسواه (كانت سوريا منقسمة في الخمسينات بين أهل حلب الذين ينشدون الوحدة مع العراق وأهل الشام الذي ينشدون الوحدة مع مصر) وإما هو يسعى كما في "المرحلة الأسدية" لإستتباع الشعوب المجاورة ببحور من دماء.
أمّا العراق، فقد ساهمت المرحلة الملكية الهاشمية كثيراً في تشكيل كيانيّته الوطنيّة، إلا أنّ هذه الكيانيّة اصطدمت بشكل دمويّ مع المسيحيين، الأشوريين، في بداية الثلاثينات من القرن الماضي.

في سوريا لم تطوّر الكيانية الوطنية، إذ آثر الكيان تقديم نفسه كـ"كيان ناقص" يحتاج إلى الإلتحاق حيناً والإلحاق حيناً آخر. وفي العراق، تطوّرت الكيانية الوطنية، إنّما بشكل غير سويّ من الناحيتين المذهبية والعرقية، وغير سويّ من ناحية العلاقة مع الجوار. إذ طُبعت هذه الكيانية منذ الثلاثينات بأيديولوجيا القوميين العرب التي نظرت إلى العراق بوصفه "الإقليم القاعدة" الموكل تجميع شمل العرب من حوله والتصدّي للشعوبية. في الحالتين، لم ينظر يوماً إلى الهوية الكيانية كهوية ثنائية إسلامية مسيحية. هذا وقد بقيت المؤسسات الدينية المسيحية كما أجهزة الدولة الأمنية في سوريا والعراق بعد الإستقلال تعيد إنتاج ذكرى الصدمتين المزمنتين للمسيحيين في البلدين: ذكرى مجازر 1860 في دمشق، وذكرى مذبحة سميل في آب 1933 في العراق. إنّه الجوهر الحقيقيّ والعمليّ لـ"العلمانية البعثية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل