#adsense

مؤتمر مسيحيّ… يتحدّث لبنانيّاً وعربيّاً

حجم الخط

يكتسبُ المؤتمر المسيحيّ الذي انعقد أمس بدعوة من «لقاء سيّدة الجبل» عوامل قوّته من زوايا عدّة.

العاملُ الأوّل في قوّة هذا المؤتمر – أي في أهمّيته وتأثيره – هو أنّه ينطلقُ من ثوابت الكنيسة المارونيّة، فيعيد التذكير بهذه الثوابت ويعيدُ الاعتبار لـ»راهنيّتها»، أي أنّه يتسلّح بالكنيسة على عناوين طارئة على الكنيسة، في مرحلة مفصليّة من تاريخ مسيحيّي لبنان والمشرق.

وفي مواجهة ما يُسمّى «خوف» المسيحيّين الذي هو في حقيقة الأمر «تخويفٌ» للمسيحيّين، يستند المؤتمر إلى أنّ الكنيسة المارونيّة اللبنانيّة التي قادت أو هي شاركت في قيادة ربيع لبنان 2005، علّمت المسيحيّين اللبنانيّين عدم الخوف. ذلك أنّ قيادة التغيير تعني أنّ التغيير لا يخيف وينبغي حصوله.

وفي مواجهة ما يُسمّى «الخوف»، يذكّر المؤتمر بأنّ الكنيسة علّمت المسيحيّين اللبنانيّين أنّهم شكّلوا القوّة المحرّكة لإسقاط الوصاية السوريّة ونظامها الأمنيّ المستبدّ، فهنا لم تخَف الكنيسة. وعلّمت المسيحيّين في لبنان وفي المشرق أنّهم ليسوا أقلّية لبنانيّة وأقلّيات عربيّة. بل أكثر من ذلك، قالت إنّ مصير المسيحيّين مرتبطٌ بمصير المسلمين، وإنّ خلاص لبنان – أي مستقبله – يكون لكلّ لبنان أو لا يكون، ويقوم بكلّ لبنان – أي بمسيحيّيه ومسلميه معاً – ولا حلّ لمجموعة من دون أخرى، ولا لمجموعة على حساب أخرى… وهذا ما هو مسيحيّ «عموميّ» في المنطقة، وليس مسيحيّاً «خصوصيّاً» في لبنان. والأهمّ أنّ الكنيسة «إكتشفت» الحلّ قبلَ غيرها، فأطلقت الدعوة إلى قيامة الدولة المدنيّة التي تجمع بين المواطنة والتعدّدية.

على خلفيّة هذه الثوابت الكنسيّة، انخرط مسيحيّو لبنان في ربيع لبنان. وها هي تلك الثوابت تشكّل عناوين مشرقة للربيع العربي: الإقدام في التغيير، وحدة المصير المسيحيّ – الإسلاميّ من دون تفرقة، والدولة المدنيّة عنواناً للمستقبل. أمّا العامل الثاني في قوّة المؤتمر، فهو أنّه إذ ينعقدُ مسيحيّاً، إنّما يتحدّث لبنانيّاً وعربيّاً. فالموقع هنا بالغ الأهمّية. ذاك أنّ من يصدر عن خوف وضعف لا يستطيع أن يخاطب لبنان والعرب، لكنّ مَن يصدر عن ثقة بالشراكة المسيحيّة – الإسلاميّة التي صنعت كلّ المحطّات التاريخيّة في لبنان، يتحدّث بقوّة. وبهذا المعنى، فإنّ هذا المؤتمر ليسَ مجرّد اجتماع أو خطاب أو وثيقة، بل هو دافع كبير

لـ»إستئناف» ربيع لبنان في مناخ الربيع العربي. ولا مبالغة في القول إنّ هذا المؤتمر المسيحيّ لا يكتفي برفض الخوف والتخويف ومستتبعاتهما، لكنّه يعلن أنّ مسيحيّي لبنان وكلّ اللبنانيّين أمام فرصة تاريخيّة لتغيير أحوال بلدهم في حاضنة ربيع العرب. والعامل الثالث في قوّة المؤتمر، هو أنّه ليسَ مؤتمراً حزبيّاً، وهو ليس حتّى مؤتمراً تنظّمه 14 آذار. إنّه مؤتمرٌ من ضمن ما يسمّى «المجتمع المدنيّ». إنّه إطلاقٌ لديناميّة مدنيّة تحيي ربيع لبنان. والأدقّ من هذا وذاك، إنّه مؤتمرٌ يُترجم بأمانة حقيقة أنّ الفريق الأكبر في ربيع لبنان، في ثورة الأرز… في 14 آذار هو «الرأي العام» الذي يحقّ له أن تكون كلمته هي الأكثر رجاحة.

مؤتمر يتسلّح بثوابت الكنيسة ويجدّد راهنيّتها، ومؤتمرٌ يرتكزُ إلى الشراكة الوطنيّة، ومؤتمرٌ لـ»الرأي العام»، هو بلا شكّ مؤتمر استثنائيّ. بل يجب القول إنّه لا بدّ أن يكون مقدّمة لمؤتمر لبنانيّ عام يقول القول نفسه وينفخ الروح في الربيع اللبناني. هو مؤتمرٌ مع الكنيسة وليس ضدّ البطريرك. فبعضُ المشتغلين بما يُسمّى «السياسة السياسيّة» يضعونه في خانة مواجهة البطريرك. هو ليسَ كذلك قطعاً، وفكرتهُ انطلقت من ضرورة إعادة الاعتبار لدور مسيحيّي لبنان والمشرق في خلاص الشعوب والدول من أسر الماضي والماضويّة، من سجن طال في الزمن، نحو مستقبل يشمل الكرامة والحرّية والديموقراطيّة، والسلام لكلّ شعب ودولة باتّجاه سلام عام للمنطقة. ليسَ مؤتمراً «ضدّ» البطريرك بالتأكيد، لكنّه إذا شكّل فرصةً لإخراج البطريرك من «ورطة» بعض الطروحات التي قد تكون أملتها أعمال عنفيّة إرهابيّة في دول بذاتها، ولا يواجهها إلّا المسيحيّون والمسلمون معاً… فلِمَ لا؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل