#adsense

سوريا: الغالبية الصامتة ليست صامتة

حجم الخط

لعل من أبرز ما أفرز الحراك الشعبي الذي يجري حاليا في سوريا، هو تقسيم المجتمع بشكل حاد بين كتلتين واضحتين في معارضة النظام أو موالاته، اضافة إلى فئة ثالثة يتدرج موقفها بينهما، وتسمى اصطلاحا الغالبية الصامتة.

إذا كانت الفئتان المعارضة والموالية تعبران عن نفسيهما بوسائل شتى أبرزها المشاركة في التظاهرات المناوئة أو المؤيدة للنظام أو عبر مواقف معلنة وصريحة في وسائل الاعلام ووسائل التواصل الاجتماعي، فان الشريحة الثالثة، لا تزال مغيّبة عن المشهد الإعلامي، وتشكل خزانا محتملا لكلتا الفئتين السابقتين من الناحية النظرية، وان كانت معطيات عديدة تشير إلى أن هذا الخزان مرشح أكثر لرفد المعارضين وليس الموالين، باعتبار أن ما يمنع أفراده أساسا من حسم مواقفهم هو عامل الخوف من القمع والتنكيل، وحالما تخف وطأة هذا الخوف، سوف ينزاحون إلى صفوف المعارضين. وإضافة إلى الخوف، هناك عامل آخر وهو القلق بشأن المستقبل والتخوف من طبيعة القوى البديلة في حال رحيل النظام الحالي. ويعشعش هذا القلق بشكل خاص لدى الأقليات المختلفة في ظل افتراض يروج له أتباع النظام وبعض المثقفين العلمانيين بأن البديل سيكون الإسلام المتطرف، الأمر الذي قد يشكل مسا بمصالحهم أو حتى وجودهم.

والواقع ان أية محاولة ميدانية لاستكشاف طبيعة وحجم "القوة الثالثة" أو ما تسمى الغالبية الصامتة لا بد أن تقف مباشرة على حقيقة أن أفراد هذه الفئة ليسوا صامتين في الحقيقة، ومعظمهم لا يتردد في التعبير الصريح عن موقفه، ولكن المعارض منهم لم يصل بعد إلى اقتناع تام بضرورة الانخراط في نشاط ميداني مثل المشاركة في المظاهرات، أو لا يملك بعد الشجاعة الكافية للقيام بذلك، كما انه لا يمتلك القدرة على التواصل مع وسائل الإعلام ولا حتى وسائل التواصل الاجتماعي. أما المؤيد فهو اما يبني موقفه على أساس مصلحي أو طائفي، أو ممن لم يبلور بعد تشخيصا نهائيا لما يجري، أو قرر الانسحاب من الكتلة الموالية، بسبب افتقاره للاقتناع الراسخ، أو بناء على حسابات براغماتية تتحسب لخط الرجعة في حال انقلبت الموازين الراهنة.

وتبدو الانقسامات مكشوفة داخل الأطر الضيقة التي يسود بين أفرادها حد أدنى من الثقة مثل الاسرة ، حيث ينكشف أفرادها أمام بعضهم البعض بشكل واضح، حتى صارت ملحوظة جدا الخلافات الحادة أحيانا داخل العائلة الواحدة، الى درجة أن الأضعف بينهم، بات يتحاشى خوض نقاشات مع معارضيه داخل العائلة التي قد تلجأ أحيانا إلى مقاطعة أفرادها المخالفين أو حتى التبرؤ منهم.

أما في الإطارات الأوسع، سواء في المؤسسات الرسمية التابعة للدولة أم الخاصة، فثمة انقسام قائم أيضا وتتفاوت درجاته من مكان إلى آخر بحسب الموازين والنسبة. وحيث يكون المعارضون هم الشريحة الأكبر يجنحون إلى الخوض علنا في نقاشات صريحة، وقد لا يبالون بوجود أشخاص من الموالين (وهم في هذه الحالة معزولون وحذرون) مع بعض الحذر أمام الأشخاص الخطرين، أي ممن يحتمل انهم يكتبون تقارير لأجهزة الأمن. ومثل هذه الحالات موجودة غالبا في المناطق التي تشهد احتجاجات مستمرة، وباتت معروفة بعدائها للنظام، مثل درعا وحماة وادلب.

أما حيث يكون المعارضون أقلية مثل المؤسسات في دمشق وحلب، فإنهم يميلون إلى النقاش في ما بينهم ضمن حلقات مغلقة، بينما الموالون يعبرون عن مواقفهم علنا، رغم أن لهم أيضا جلسات خاصة تكون نقاشاتهم فيها أكثر صراحة وحدة بشأن مواقفهم ومشاعرهم الحقيقية حيال ما يجري.

وفي الحالات القليلة التي تجري فيها نقاشات بين الجانبين، فان رأي الغالبية الموالية يكون هو المسموع غالبا، بينما يكتفي المعارضون بالاستماع، وقد يلجأ بعضهم إلى المنافقة والمناورة في التعبير عن رأيه، أو يكتفي بتصحيح بعض ما يعتبره مغالطات وانطباعات غير دقيقة في حديث الطرف الآخر.

يقول أحد أرباب العمل أن العمال عنده منقسمون بين موالين ومعارضين، وكثيرا ما يهمّ الموالون بالاعتداء على المعارضين، ويحاولون تطفيشهم من العمل، لكنه يمنعهم لأسباب إنسانية.

وبات من الشائع تقسيم الموالين والمعارضين تحت تسميات ساخرة باتت معروفة داخل البلاد وخارجها، حيث يطلق على الموالين جماعة "المنحبّكجية" (مشتقة من كلمة منحبّك الشهيرة التي تطبع على صور الرئيس الأسد) هذا في حال كانوا سلميين، أما حين يكونوا عنيفين لفظا أو سلوكا، فات تسميتهم الذائعة الصيت هي "الشبيحة".

أما المعارضون، فالتسمية الغالبة لهم هي "المندسون"، عودة إلى ما نعتوا به خلال الاحتجاجات الأولى في درعا، وقد أنشأوا مذذاك لأنفسهم صفحة على الفيس بوك باسم "أنا مندس".

وخلاصة القول، فان ما يبدو انتظارا ساكنا من جانب الغالبية الصامتة، هو في الواقع أقرب إلى الفوران تحت السطح، الذي يحمل أيضا انحيازات مستمرة بهذا الاتجاه أو ذاك، وان كان الأغلب في اتجاه المعارضة. ولا شك في أن أية تطورات نوعية سوف تنقل بسرعة جزءا كبيرا من هذا الجزء الصامت إلى ساحة الاصطفاف المكشوف.

المصدر:
النهار

خبر عاجل