وسط الضائقة المعيشية والاجتماعية التي يعيشها المواطن والتي احتدمت مؤخرا بسبب ملف تصحيح الاجور وارتفاع التضخم وغياب الخدمات الاجتماعية الاساسية، هناك مشروع يعتبر البعض انه قد يزيد الطين بلّة. مشروع قانون الايجارات الجديد قد لا يبصر النور قريبا في ظلّ معارضة شديدة له تعددت أسبابها، ابرزها انها مجحفة بحق المستأجرين القدامى. في موازاة ذلك، يطالب المالكون القدامى بالاسراع في تحرير الايجارات واقرار هذا القانون معتبرين ان حقهم باملاكهم قد سُلب منهم. وفي هذا السياق يرى البعض ان تأجيل إقرار قانون الايجارات الجديد مرتبط باسباب سياسية أهمّها عدم فقدان أصوات الناخبين إما في الانتخابات نيابية أم البلدية.
ما هي صيغة هذا المشروع وهل ستنصف المالك والمستأجر في آن؟ وهل توقيت إقراره مرتبط بحقبة زمنية محددة؟ وزير العدل السابق ابراهيم نجار الذي كان احد المصرين على احالة مشروع القانون هذا، الى مجلس النواب اواخر عهد حكومة السنيورة، واعتبره مشجعاً للقطاع الانمائي في لبنان، شبّه في حديث لـ"الجمهورية" مشروع قانون الايجارات بقصة "إبريق الزيت". واعتبر ان هذا الملف يحتاج بشكل واضح الى ارادة سياسية تفترض بمجلس النواب ان يحزم أمره وان يراعي التوازن المطلوب بين حقوق الماكين، ولا سيما القدامى منهم في استعادة أملاكهم بعد فترة معقولة من الوقت تتراوح بين 5 و 7 سنوات، مع الاخذ بالاعتبار بشكل ضروري، وضع المستأجرين غير الميسورين.
واشار نجار الى انه كان قد أصرّ على رزمة من البدائل والحلول التي تتيح للمستأجرين التملّك من خلال إقرار المرسوم التنظيمي لما يسمى الإيجار التملّكي وقد تمّت في عهده، إحالة كل ما يلزم من نصوص ومشاريع تطبيقية الى لجنة الادارة والعدل، وذلك بالتنسيق مع بنك الاسكان.
كما كان الوزير قد طالب بتأليف لجنة مشتركة تضم ممثلين عن مصرف لبنان ووزارات المال والشؤون الاجتماعية والعدل من أجل وضع مشروع قانون يتم إقراره بالسرعة الممكنة من اجل انشاء ضريبة جديدة على الربح العقاري والمضاربة في مجال الابنية الجديدة التي تمّ تشييدها لقاء ضرائب غير معتمدة في اي دولة في العالم، بحيث ينشأ صندوق لمساعدة المستأجرين في التملك. إضافة الى ذلك، اشار الوزير الى انه تمّ الاتفاق على منح المستأجرين تعويضات مالية من قبل المؤجر اي المالك الذي يريد استرداد المأجور قبل حلول الفترة المحددة ( 5 الى 7 سنوات). واكد نجار انه تمّ وضع مشروع نهائي أشرفت عليه لجنة مصغرة متفرعة من لجنة الادارة والعدل وضعت تقريرها النهائي وبات مشروع قانون الايجارات كاملا وشاملا وجاهزا بعد الاستماع الى وجهات نظر كلّ أصحاب الشأن من مالكين ومستأجرين ومصرفيين ومختصين بالشؤون المالية والإسكانية.
وحول التأخير في إقرار القانون، قال نجار إن المجلس السابق الذي تمّ تجديده في العام 2009 لم يكن يريد مجابهة الناخبين بمشروع قانون من هذا النوع مفضلا التريث. ولكن بما ان مجلس النواب قد تجدد وتم اقرار مشروع متكامل وتغيّرت الحكومة، لم يعد نجار يرى عائقا او مانعا امام اقرار مشروع الايجارات من قبل الهيئة العامة لمجلس النواب.
أضاف:"صحيح ان هكذا مشروع سيكون مدار بحث وجدل، غير انه يتعيّن علينا الخروج نهائيا من مرحلة القوانين الاستثنائية، تماما كما فعلت بلدان اخرى عندما وضعت جدولا زمنيا للانتهاء من عقود الايجار التي يرجع عهدها الى عشرات وعشرات السنوات". أضاف : غالبا ما يكون المستأجر القديم، نجل مستأجر او حفيد مستأجر دخل الى المأجور بعد العام 1948 وراح يستفيد من تمديد عقد الايجار بصورة قانونية وتلقائية حتى بات المأجور وكأنه ملك له، وهذا مضرّ بالاسكان بصورة عامة لانه يؤدي الى ترك المأجورات القديمة في حالة مزرية لا تستوفي شروط السلامة او العيش الكريم، حيث تخلو معظمها من الامدادت المائية والكهربائية…
وفيما اذا كان الوقت مناسبا لاقرار قانون الايجارات الجديد، في ظل الاوضاع المعيشية الحالية وعدم قدرة المواطن على تحمّل المزيد من الاعباء، قال نجار"عبثا نعلل انفسنا بالقول ان هذا الوقت غير مناسب. لأن هذا الموضوع بات مزمنا اكثر من الزمن"، واعتبر انه حان الوقت لاقتلاع هذه الشوكة ولإحقاق حقوق المالكين والمستأجرين القدامى.
عن تحرير الايجارات القديمة لفت نجار الى انه يتم بانقضاء مهلة الـ 5 الى 7 سنوات. وفي حال أراد المالك استرجاع ملكه قبل انقضاء هذه المهلة، يتوجب عليه دفع كامل التعويض للمستأجر، وذلك وفقا لطريقة حسابية معينة . وشرح نجار ان التمويل للمستأجرين سيوفره المالكون بينما المستأجر الذي يريد التملّك يلجأ لمساعدة الصندوق الذي سيتم إنشاؤه لهذا الغرض.
وعن الايجار التملكي، أوضح نجار ان اي شخص يريد تملك مأجور ولكنه لا يستطيع تمويل الشراء، يتوجه الى مؤسسة قد تكون مصرفا، يطلب منها شراء هذا المأجور له، وبالتالي تصبح تلك المؤسسة الجهة المؤجرة الى طالب التملك ، ويصبح طالب التملك بمنزلة المستأجر يدفع الايجارات للمؤسسة او المصرف. ولكن اذا اختار المستأجر في يوم من الايام ان يتملك، تحتسب المبالغ المدفوعة على حساب ثمن الشقة. وفي هذا الاطار أشار نجار الى ان المؤسسات المالية والمصارف تدعم هذا المشروع التمويلي كونه يشجع على توظيف الاموال.
من جهته، أطلق رئيس لجنة الدفاع عن حقوق المالكين القدامى جورج رباحية صرخة عبر "الجمهورية"، للتعبير عن غضب المالكين من سلبهم حقهم الشرعي لاملاكهم. واشار الى ان اسعار الايجارات القديمة لم تعد عند مستوى مقبول ولا يجوز الاستمرار بهذا الوضع حيث تصل بعض الايجارات الى 10 آلاف ليرة أو أقل، في حين يشكل المستأجرون نسبة 22 في المئة فقط والمالكون 77,25 في المئة، وبالتالي لا يمكن للمستأجر التحكم بالمالك. وطالب بحدّ ادنى للايجار كما هو الحال بالنسبة للاجور مشيرا الى ان المالكين محرومون من استيفاء ايجارات تكفيهم العيش بكرامة. وطالب بالعدالة والمساواة بين المالكين القدامى والجدد الذي حققوا ثروات في ظل ارتفاع اسعار العقارات بينما يعاني المالكون القدامى من حالات فقر في بعض الاحيان على حساب المستأجرين الذين باتوا أفضل حالا منهم. ورأى رباحية ان المالكين القدامى هم أسرى المستأجرين ومظلومون بسبب سياسة تمديد قانون الايجارات منذ الخمسينات من القرن الماضي، مشيرا الى أن الدستور يكفل حق الملكية الخاصة، ولا يجب بعد اليوم العمل بالقوانين الاستثنائية معتبرا ان مجلس النواب يخالف الدستور بالتغاضي عن حقوقهم عبر تمديد قانون الايجارات سنة بعد اخرى.
وعن الايجار التملكي قال رباحية ان المالكين القدامى يشجعون هذه الفكرة ولا يهدفون الى رمي المستأجرين في الشارع، ولكن يجب ان يتم ذلك بالتوازن مع قانون ايجارات يرضي الطرفين ويعيد الحق الى اصحابه بعيداً من المزايدات.