نجاحات حققتها "سيدة الجبل" في انتظار التتمة
الرسالة مرّت كالنعاس في قالب فكري – ثقافي
انتزع الفريق الذي وقف وراء خلوة "لقاء سيدة الجبل" مكاناً في الوسط المسيحي التقليدي لمؤيدي الإنتفاضات العربية رغم مواقف معلنة ومناقضة صدرت عن بكركي وأحزاب وشخصيات وتركيبة رسمية في الدولة متحالفة مع النظام في سوريا. ومرّ التحرك في أدما يوم الأحد كالنعاس في قالب فكري – ثقافي، فلا كلام خارج التهذيب والأدب، ولا حتى مأخذ شكلاً ومضموناً. لكن الرسالة السياسية التي حملتها الخلوة شديدة الوضوح: هناك رأي آخر، غير حزبي عموماً في هذه البيئة التي لا يختصرها المترددون والخائفون مما يجري حول لبنان وفي المنطقة من تغييرات جذرية لم يشهد تاريخ العرب الحديث مثيلاً لها.
هذا نجاح أول.
وبرع سمير فرنجية في إسناد الوثيقة – ورقة العمل إلى نصوص كنسية مرجعية من قرارات مجمعية فاتيكانية و"السينودس من أجل لبنان" ونداء المطارنة الموارنة والمجمع البطريركي الماروني ليعلّل أسباباً موجبة لمساندة الشعوب العربية المنتفضة في سعيها إلى الحرية والديموقراطية. وبسبب من هذا الإسناد المحكم يصعب على المنتقد حتى لو كان من قلب الكنيسة أن يُعمل الإنتقاد أقلّه في النص المكتوب. فليس كل يوم ولا كل سنة يصدر مثل هذه القرارات المكتوبة للتاريخ الآتي.
ومثله وُفّق فارس سعَيد في استحضار المونسنيور الراحل ميشال حايك إلى مقدمة كلمته التي كانت مقدّمة الكلام. وأما الذين تلوه على المنصة ففاجأت كلمات بعضهم بقوتها معنى وأسلوباً ورقياً في آن واحد. الدكتور أنطوان قربان على سبيل المثال، طبيب وأستاذ جامعي أوحى ظهوره وآخرين في المؤتمر أن ثمة رسالة أخرى يُراد تحميلها للخلوة: إن في هذه البيئة المسيحية اللبنانية شخصيات وازنة، مستقلة بل حرّة ، لا يعرفها الناس ولكن يجب أن تكون قادرة من خلال حيّز ما على إبداء الرأي والمساهمة في الحياة السياسية والوطنية العامة، فلا يبقى هذا الحق حكراً على حزبيين في أحزاب تعاني اختناقات في داخلها، ولا على محترفي سياسة غير حزبيين أيضاً، لكنهم لا يتركون مساحة تحت الشمس لغيرهم وغير ذريّتهم ويضيقون حتى بالأنصار.
هذا نجاح ثانٍ.
صحيح أن من يلبون الدعوات إلى خلوات ومؤتمرات لا يُشاركون ليعلنوا رأياً مغايراً، وفي أدما قبل دخولهم القاعة كان بادياً اتفاقهم على أن الرئيس السوري بشار الأسد سيرحل، وأن حلفاءه في لبنان يجب أن يعودوا إلى أحجام الناس الطبيعية بلا تورمات وانتفاخات غير مبررة على حساب الدولة وبقية مواطنيهم، لكن عامل إثراء وغنى إضافي برز في المناقشات والمداخلات التي تلت قراءة الوثيقة وتجاوز عددها الأربعين. الكثير منها كان مهماً وقيّما ولافتاً في الفكر والسياسة النظرية والعملية والإقتراحات . أحد المشاركين لاحظ أن سوريا لم تحكمها أصولية ولا مرة وأن ثمة أصولية قمع واستبداد أيضاً، فليست دينية فقط بل قد تكون سياسية على ما يفعل "حزب الله". وذكّر مشارك بأن أسوأ ديموقراطية أفضل من أفضل ديموقراطية. وآخر بأن المسيحيين في لبنان دفعوا مرتين خلال الحرب الطويلة ثمنا غالياً لانخراطهم في "تحالف الأقليات" الذي لا يزال يبشر به بعضهم، خصوصاً أن القوة الأكبر المسلحة تصبح أكثرية ساحقة. ثم ، لماذا نتبرع كمسيحيين بموقف سلبي إستعدائي لأي حكم مستقبلي في سوريا؟
وقارن دكتور في السياسة بين أوضاع اقباط مصر وأوضاع مسيحيي لبنان وسوريا والعراق مستنتجاً أن خطابنا في لبنان قاعدته "العيش معاً" مع الشركاء المسلمين لا مثيل له وعلينا تصديره، فتكون دعوتنا إلى ممارسة للحريات الدينية غير مقتصرة على حرية العبادة، والوسيلة إدخال ثقافة العيش المشترك في برامج التربية، والإعلام أيضاً.
نقطة أخرى لم يلقِ عليها الضوء كفاية في السابق ركز عليها مشارك: دور الديكتاتوريات في دعم الأصوليات. والمثال أوراق لعب بها النظام السوري الحالي في لبنان عبر "حزب الله" و"فتح الإسلام"، في فلسطين عبر "حماس" وأصوليات أخرى، في العراق "القاعدة" وشبيهاتها في تقاسم للأدوار مع إيران أنزل نكبات قصوى بأتباع كل الأديان والمذاهب هناك.
وذكّر أحد المتداخلين بقول منقول عن الجنرال بيتان:"كلا هتلر ليس المسكين غليوم الأول الذي اكتفى بمقاطعتي الإلزاس واللورين. إنه جانكيز خان آخر"، وذلك في معرض نفيه سعي "حزب الله" إلى المثالثة لا غير. وفي كلام مشارك آخر على وضع المسيحيين في سوريا وغيرها وجهة نظر أن عليهم هم أيضاً رفض البقاء مواطنين درجة ثانية. ليقول : "سمعت دعوات إلى وحدة المسيحيين. وقت كانت الصواريخ تنهال على رؤوسنا لم نتحد. ربنا خلقنا هكذا. ربما عندما لا تعود هناك أيدٍ وأطراف غريبة تلعب بنا … ربما بعد ذهاب النظام السوري يستنتج من يمشون اليوم في ركابه أن الحصان الذي راهنوا عليه ليس حصاناً".
وقال مشارك يظنه الناس متطرفاً: في شباط 2005 بدأ المسيحيون الثورة وانضم إليها المسلمون. ما يحصل اليوم أن المسلمين بدأوا الثورة وعلينا أن ننضم إليهم لننشر قيمنا التي أصبحت مشتركة : الحرية والديموقراطية. لذلك أدعو إلى التفكير في إنشاء "مجلس الربيع العربي" من لبنان والدول العربية التي تشهد ثورات.
الخلاصة أن المناقشات والمداخلات، وإن تفاوتت أهميتها أحياناً، وطبيعياً في أجواء الديموقراطية كانت مستوياتها عالية.
وهذا نجاح ثالث. ماذا عن التتمة؟