#adsense

المقاومة المدنية ترشيش مثالاً

حجم الخط

"وما نيل المطالب بالتمني
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا"
أحمد شوقي

على الرغم من أن الكثيرين يعتقدون أن القصة هي أسطورة حقيقية، فإن أساسها هي سلسلة أقاصيص نشرتها الكاتبة الأميركية ماري دودج سنة 1865 بحيث أصبحت لاحقاً من الأساطير المشهورة في الولايات المتحدة الأميركية ثم نقلت الى هولندا.

البلاد الواطئة معروفة بكثرة السدود في وجه البحر ولولاها لكانت معظم الأراضي مغمورة بالمياه. وتقول القصة ان صبياً لاحظ وجود ثقب في أحد السدود أثناء ذهابه الى المدرسة، ومع علمه أنه سيتعرض لعقاب شديد في حال تأخر عن الصف، الا أنه قرر وضع اصبعه في الثقب لمنع تسرب المياه، الى أن لاحظه أحد المارة فطلب المساعدة وتم إصلاح الثقب.

العبر الافتراضية من هذه القصة متعددة، فهي درس في التضحية أولاً، وأنه حتى الإمكانات الصغيرة قادرة على إنجاز الكثير. أما الدرس الثاني فهو أن التغاضي عن تسرب صغير قد يؤدي الى انهيار السد وإغراق الأراضي بالمياه.
عندما صدرت مذكرات التوقيف في حق المتهمين بقضية اغتيال الرئيس الحريري، وهم ـ كما هو معروف ـ من عناصر حزب ولاية الفقيه، انبرى أحد نواب هذا الحزب قائلاً "هناك في البقاع اثنتان وثلاثون ألف مذكرة توقيف في حق متهمين في قضايا مختلفة في المنطقة فلا بأس اذا زيد عليها أربع مذكرات جدد".

هذا يعني بالتالي أن هذا الحزب أيضاً يتبنى فرار الآلاف من وجه العدالة، لا بل انه يوفر الحماية لهم من الوقوع في قبضة العدالة تحت مسميات متعددة من ضمنها ضرورات المقاومة.
وضرورات المقاومة هي هنا تعبير مطاط قد يشمل حماية مهربي المخدرات الذين يؤمنون بعض مداخيل المقاومة بالإضافة الى تأمين جزء من مداخيل جمهور المقاومة. وقد يشمل أيضاً مخالفات البناء التي نبتت كالفطريات على مختلف مواطن نفوذ الحزب من جنوب وبقاع وضاحية جنوبية وذلك لتأمين مساكن لجمهور المقاومة.

وقد يشمل أيضاً تهريب القتلة الى خارج الحدود، كما حدث يوم اغتيال العسكريين في البقاع، وذلك استرضاء للعشائر الغارقة في الممنوعات، لأن هذه العشائر تؤمن ظهر المقاومة. ولكن وبالتأكيد، فإن هذا الواقع يشمل التعدي على المؤسسات السياسية وضرب الأسس الديموقراطية كما حدث في السابع من أيار ومع القمصان السود، على أساس أنها من ضرورات المقاومة، كما أنه يشمل أيضاً ضرب المؤسسات الاقتصادية من خلال الاعتصام الطويل الذي أغرق وسط العاصمة، ومن خلال التلاعب بالنقابات العمالية وآمالها وآلامها كجزء من سلاح المقاومة. وهي بالتأكيد تشمل المؤسسات القضائية من خلال الضغط لإخلاء سبيل القتلة الموصوفين، أو التساهل في قضايا بعض العملاء والتشدد مع آخرين تلبية لرغبات المقاومة.

وبالتأكيد تشمل ايضاً المؤسسات العسكرية من خلال الهيمنة على بعض الأجهزة من مخابرات وأمن عام ومنع عقوبات عن ضبط مخالفين ومنع الترقيات عن ضباط آخرين لمجرد أنهم ليسوا من أتباع المقاومة.
وأحد أهم وجوه التعدي على المؤسسات كان ولا يزال فعل البلطجة على المنشآت العامة من خلال مد شبكة الاتصالات لما يسمى بالمقاومة.

لقد كانت هذه القضية كما هو معروف الشرارة الافتراضية لغزوة حزب ولاية الفقيه المشهورة في السابع من أيار، ويومها أخضع هذا الفعل البلطجي الحكومة التي حاولت تطبيق القانون وحماية المنشآت الرسمية من التعدي. وقد قيل يومها ان قرار الحكومة كان متسرعاً أو غير حكيم، ليس لعدم شرعيته، بل لأنه لم يأخذ في الحسبان موازين القوى وقدرات الطرف المعتدي على التمادي في اعتداءاته، ولكن القرار البعيد كل البعد عن الحكمة كان عودة الحكومة عن قراراتها بما يشكل خضوعاً كاملاً لمنطق الاستقواء على الدولة والقبول باستباحة المؤسسات والمنشآت العامة.

لقد أدى خضوع الحكومة الى إرساء قاعدة للابتزاز في يد حزب الولي الفقيه يكفي أن يلوح بها ليخضع الجميع لإرادته، وما سيناريو القمصان السود إلا تجسيد لهذا النوع من الابتزاز. وليست تصرفات هذا الحزب في ضرب الدولة وليدة ردود الفعل بل هي نهج استراتيجي هدفه إنهاء مفاعيل هذه الدولة لتحل محلها دولة الولي الفقيه. ولكن هذا الترهيب لم يجد طريقه الى عقول المواطنين، وقد أثبتت وقفة أهالي ترشيش بأن منطق الاستقواء ما هو إلا نمر من ورق متى تمت مواجهته بإرادة وصبر ورغبة في التضحية.

ترشيش هي بلدة صغيرة ومع ذلك كانت إرادة أهلها كبيرة، فهل تكون ترشيش إصبع الصبي الهولندي الذي سيشكل بداية وضع حد للتسرب اليومي المراد منه إغراق الدولة؟.
()عضو المكتب السياسي في "تيار المستقبل

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل