على أهمية العرض المسهب الذي قدمه السيد حسن نصر الله في مقابلته التلفزيونية الاخيرة لتبرير المعيار المزدوج في دعم النظام السوري في مقابل دعم الثورات العربية الاخرى لم يحمل موقفه جديدا طارئا حيال التوجهات الثابتة المعروفة لـ"حزب الله".
وعلى وجاهة الجهد الفكري الذي بذله منظمو "لقاء سيدة الجبل"في صياغة وثيقة حول الدور المسيحي في "ربيع العرب" لم تفاجئ الوثيقة ايا من مواكبي هذا اللقاء على رغم الألق الذي اتسم به مضمونها.
مفاد هذه المقارنة ان مقابلة السيد ووثيقة اللقاء شكلتا العيّنتين الاكثر حداثة على الانقسام اللبناني العمودي حيال الثورات العربية كحدث لا يزال لبنان يقف عند مشارفه من موقع المنفعل بتداعياته سلبا او ايجابا والخائف منها اكثر من أي شيء آخر. وليس ادل على ذلك من ان جوهر هذا الانفعال وتلك الخشية يقف خصوصا عند لغز مصير الثورة السورية.
ومن نافل القول، وبلا أي تشاطر، ان السيد نصر الله يختصر مواقف قوى 8 آذار قاطبة ومن يدور في فلكها مع قيمة مضافة اساسية راهنا هي ظهوره مظهر الضابط الاعلى لايقاع حلفائه الحكوميين لئلا يقال اكثر. كما ان وثيقة "سيدة الجبل" تمثل في عمقها وموجبات وضعها وجهة نظر قوى 14 آذار بمسيحييها ومسلميها بلا أي لبس، ولو بدا الامر مناهضا للبطريرك الراعي. فثمة لدى المسيحيين الآن تعارضات عمودية جديدة في ضوء توجهات البطريرك الجديد وهو امر سيتعين على المسيحيين مواجهته والتعايش مع كلفته طويلا.
إذاً تغدو مواقف الفريقين اقرب الى اسباغ ذاتية كل منهما ورؤيته الى الثورات العربية في حقبة انتظار ستطول كثيرا ولا تملك اكبر الدول اجوبة حاسمة عن مواقيت نفادها ومواعيد حسمها. ولن يضير اللبنانيين ابدا ان يرتعوا في هذا الترف أي البقاء في موقع قول ما يوده وما لا يوده افرقاء النزاع الداخلي ما دام ذلك يضبط لبنان نسبيا عن شظايا الحمم المتطايرة من الوعيد والنذير "وتهبيط الحيطان".
ولكن ما يتعين على القوى اللبنانية ان تدركه هو ان براكين الثورات استعصت على تقديرات اعتى اجهزة الاستخبارات في العالم. وعلى اهمية الدلالات التي يكتسبها موقف هذا الفريق او ذاك من الثورة السورية ومصير النظام السوري تبدو الكيمياء المتفجرة الدامية في سوريا عصية على أي تقدير استباقي او تأثير من أي فريق في هذه الكيمياء. وافضل ما يمكن ان تذهب اليه طموحات اللبنانيين في عز الانقسام الداخلي والخوف من الاعظم هو حماية لبنان من هذا البركان مع "الحق المقدس" لكل المنقسمين في شفافية البوح عن كيميائنا الحافظة لديموقراطية تصارع البقاء ولو بتعارض ابدي بين ابنائها.