"هبوني عيداً يجعل العرب أمة
وسيروا بجثماني على دين برهم
سلام على كفر يوحد بيننا
وأهلا وسهلاً بعدها بجهنم"
الشاعر القروي
في المجمع البطريركي الأول للموارنة سنة 1736، شدد المجتمعون على التعليم الالزامي للأولاد بعبارات ملفتة متوجهين الى الآباء بقولهم انه عليهم "سوق أولادهم الى المدرسة ولو مكرهين، وإن كانوا أيتاماً أو فقراء فلتقدم لهم الكنيسة أو الدير ضروريات القوت، وفي حال تعذر الكنيسة أو الدير، يجمع لهم في كل يوم أحد من صدقات المؤمنين ما يفي بمعاشهم. أما أجرة المعلم فيترتب جزء منها على الكنيسة أو الدير شرط ألا يكون المعلم راهباً أو من رهبانه والجزء الآخر يقوم بدفعه آباء الأولاد" (المجمع اللبناني، الباب السادس).
وهكذا، فقد تكون الكنيسة المارونية أرست لإلزامية التعليم، ونوعاً ما مجانيته. والواقع هو أن الكنيسة منذ 270 سنة أرست لقواعد تعميم المعرفة على الناس، والمعرفة هي المدخل الأول للعبور الى حرية الفرد، لأن المعرفة هي السبيل الى التخلص من العبودية للأوهام والخرافات التي كانت تكبّل الناس وتجبرهم على الخضوع للسلطات مهما كانت ظالمة. إن ريادة الكنيسة في هذا المجال هي التي كانت النواة التي أسست لإنشاء المدرسة وتعميمها، ومن ثم دفعت باقي طوائف المنطقة الى تقليدها وإنشاء مؤسسات تعليمية، أو الى تنسيب أبنائهم الى المؤسسات المسيحية مما ساهم في خلق طبقة متنورة ومتعلمة كانت لاحقاً السبيل الى التحرر من منطق السلطنة العثمانية.
وكان المسيحيون أيضاً رواد الطروح البديلة عن التتريك عندما تم التأسيس لحركة ثقافية تركزت على إحياء الثقافة المرتكزة على اللغة العربية كعامل جامع لأبناء المنطقة في مواجهة حملة التتريك بعد بروز الوعي القومي التركي. لقد كانت اللغة يومها هي الحاضنة الأساسية لهذه الحركة من خلال جمعية أدبية سرية، وضعت نظام تعليم متكامل ومناهج دراسية تنادي بالعروبة، كان روادها المعلمَين ناصيف اليازجي وبطرس البستاني. لقد وضعوا الأسس لعشرات المدارس ولكلية لإعداد المعلمين وأنشأوا الجامعة الانجيلية السورية التي أصبحت فيما بعد الجامعة الأميركية في بيروت والتي كان لها الدور الأبرز في حركة التنوير والتطلع نحو الحرية في كل المنطقة العربية.
لقد كان الهدف من هذا الحراك الثقافي إرساء قواعد لقواسم مشتركة بين طوائف المنطقة وأديانها، يعطي الحرية للجميع بالتساوي ولا يجبر أقلياتها على الذوبان أو الخضوع لطغيان الأكثرية. وللمسيحيين الريادة أيضاً في انطلاقة الكثير من حركات التحرر، وذلك بغض النظر عن جنوح بعض زعمائها لاحقاً الى دعم الدكتاتوريات، أمثال ميشال عفلق وانطون سعادة وقسطنطين زريق وجورج حبش ووديع حداد ونايف حواتمه وجورج حاوي ونقولا الشاوي وغيرهم من رواد الحركات القومية واليسارية.
أما ما نشهده اليوم من حراك عربي في سبيل القضاء على الأنظمة المستبدة والدخول الى عصر حقوق الإنسان والديموقراطية، فما هو إلا نتيجة متأخرة لسنوات طويلة من التجربة والدروس التي لعب فيها المسيحيون دوراً بارزاً على الأقل من خلال حركة التعليم والتنوير وبالتأكيد من خلال نضالات المئات من القيادات.
قد يبدو على هذا الأساس مستغرباً اليوم أن تظهر في لبنان بالذات دعوات الى الحذر، على أقل تقدير، من نتائج الثورات القائمة، أو الى دعم الوضع القائم على أساس انه أمّن للمسيحيين نوعاً من الاستقرار والتساوي في الظلم مع باقي مكونات مجتمعاتهم، أو منحهم بعض الامتيازات الوهمية على الآخرين.
في البداية يجب تفهّم الحذر الذي يطرحه بعض المسيحيين. فما حصل في العراق وما يحدث في مصر لم يكن مشجعاً، كما أن واقع الوعي الأكثري العربي لم يصل الى مرحلة الاطمئنان على الالتزام بمبادئ المساواة من خلال المنطق الحديث للديموقراطية الذي يتجاوز الأعداد والأكثريات الى منطق حقوق الأقليات وواجبات الأكثريات تجاهها. ولكن هذا الواقع يجب ألا يدفع المسيحيين الى تأييد بقاء الأنظمة الاستبدادية لمجرد أنها ساوتهم في الظلم والتعسف مع الأكثرية، بل يجب أن يدفعهم ذلك الى التفاعل كما فعلوا دائماً مع الأكثرية، لا بل قيادتها نحو التحرر والمواطنة وإن مرّ ذلك بمرحلة من عدم التوازن التي قد يكون لها ضحاياها كما حدث في معظم الثورات العنيفة على مدى التاريخ.
ولكن هذه الشجاعة والتضحية من المسيحيين يجب أن تقابل بحراك وتقبل واعٍ مما يسمى بالأكثرية، فلولا وجود مشكلة حقيقية لما كنا شهدنا هذا المسلسل المخيف من الاعتداءات على خلفيات مذهبية وطائفية. إن احدى المشكلات البنيوية في تفكير الأكثرية هي اعتبار قبول الآخر المختلف على سبيل التسامح، وأن هذا الآخر هو ضيف من الواجب إكرامه وليس شريكاً في الواجبات والحقوق.
والإشكال الثاني هو إشكال متبادل وعابر للطوائف وهو اعتبار الآخر سرّاً من الأسرار المجهولة، وهذا ما منع إطلاق جهود حقيقية لفهم هذا الآخر وتفهم عقائده وممارساته وعاداته، والواقع أن مجرد محاولة الفهم كان من المحرمات خوفاً من دخول الاعتقاد الشخصي في مجالات الشك او الحيرة لاكتشافه بأن الحقيقة المطلقة هي في الواقع نسبية وأن هناك "حقائق مطلقة" أخرى غير حقيقته!.
وهكذا فقد بقيت مجتمعاتنا متباعدة وإن متجاورة أو مختلطة، تتحدث مع الآخر بمنطق "أنتم ونحن" من دون محاولة جدية للوحدة من خلال تفهم وحتى تبني هواجس الآخر. إن منطق التسامح وقبول الآخر يجب أن يتحول الى منطق فهم الآخر وبالتالي تفهمه وقبول اختلافه على أساس أنه حق في التنوع لا على أساس المفاضلة والمنافسة. وهذا يعني التحول التدريجي نحو إلغاء "الأنتم والنحن" الى منطق المواطنية المجردة وبالتالي اعتبار الاختلاف حقا لا يلغي مبدأ المشاركة في الانتماء الى الوطن.
إن إرث كون الشرق الأوسط منشأ الأديان السماوية يجب أن يدفع مكوّناته الى المحافظة على تعدديته الدينية، لا بل إنه من واجب الأكثرية أن تتشبث بالوجود الكريم والفاعل لكل الطوائف والأديان.
إن هذا الموقف ليس على سبيل التسامح، بل هو مصلحة ورؤيا سياسية يجب أن تعم الأكثرية الموقتة القائمة الآن، فإن التواجد في دول تعددية وديموقراطية، سينتشل المسلم من طغيان فكرة الأكثرية وسيفتح له الباب الأوسع لمشاركة العالم على مختلف المستويات الحضارية والسياسية والاقتصادية والثقافية بدل أن يتقوقع عالمه الى منطق "القندهارية".
لا شك أن هذا النهج هو من الصعوبة بمكان لمواجهة المعتدلين المسلمين في ظل تنامي الدعوات الأصولية والمتمثلة في المنطق "البن لادني" الذي اجتاح الكثير من عقول المسلمين. ولكن كل ذلك يستدعي تضافر جهود المتنورين للمواجهة وعدم الاختباء وراء سواتر التجاهل والقبول بغوغاء التطرف. إن هذا الواجب يقع أساساً على عاتق المسلمين أكثر من المسيحيين، لأن المسيحي المشرقي ليس له بديل إلا الهجرة والتغرب نهائياً، وبالتالي القضاء على ثقافات عمرها ألفا سنة.
إن التجاهل والتطنيش من المسلمين سيؤدي حتماً الى حدوث الكارثة وإلى فقدان هذا الجزء من العالم مميزاته التاريخية مما سيؤدي الى خدمة مجانية للمشروع الصهيوني في المنطقة.
إن طرح أي وحدة عربية في المستقبل بعد التحول الى الديموقراطية يجب أن يكون على أساس المصالح الوطنية لكل بلد لا على أساس غوغاء الأكثرية وشعبويتها، ويكفي أن نأخذ المثل الأوروبي لكي نقتدي به بحيث ابتدأت الوحدة بمنطق المصالح من خلال السوق الأوروبية المشتركة لتتطور الى وحدة جزئية على المستوى السياسي.
إن العالم الإسلامي يواجه اليوم تحديات كبرى تشمل المواقف من الحداثة والعلمنة والعنف، ويحتاج هذا العالم الى الوجود المسيحي والتعدد لإعطاء المثل الى العالم من خلال دول تعددية ذات وجه علماني يتساوى فيه الجميع بالحقوق والواجبات.
إن انعقاد مؤتمر سيدة الجبل اليوم هو وجه من وجوه الصمود المسيحي في وجه تحديات الدعوات الى التقوقع ودعم سلطات التسلّط في وجه أكثرية الناس، وأهميته أنه يحصل في لبنان الذي اختبر مسلموه قبل مسيحييه الفوائد المباشرة من التعددية.