#adsense

لم يعد مقنعاً!

حجم الخط

أعترف بأنّني من المعجبين بـ"الأمين العام للدولة اللبنانيّة". معجب بأدائه، لا بأهدافه، وراهنت كثيرين أنّه لو خلع جبّته لتوَّجته أهمّ رجل سياسيّ في لبنان: أسلوبه في مخاطبة جمهوره مقنع، إذ يتفوّق في استخدام لغة الجسد وفي التلاعب بأوتاره الصوتيّة، ويحسن الانتقال بالأفكار بما يناسب وعي سامعيه، ويعرف أنّ النكات لا تليق بمقامه فلا يكثر منها.

لكنّني أعترف أنّه لم يعد يقنعني منذ فترة. ليس منذ 7 أيّار، وهي سبب كافٍ، ولكن منذ اندلع الربيع السوريّ. وأمس تأكّدت من صواب رأيي: يرى الأمين العام أنّ كلّ ثورات الربيع العربيّ "هي نتيجة إرادة شعبية ووطنيّة، وليست مشروعا أميركيّا… والأنظمة التي كانت موجودة كانت أنظمة أميركيّة". وحده ما يجري في سوريا لا ينطبق عليه هذا التوصيف، عند الأمين العام. لِمَ ؟

الجواب عنده: النظام السوريّ نظام ممانعة يواجه المشروع الأميركي.

الاستنتاج، أنّ ثمن الممانعة المزعومة هو قمع الحرّيات، وتوسيع المعتقلات، ونحر الديموقراطية. وفي هذا الشأن، تبدو محقّة نصيحة الجنرال له بأنّ المقاومة (والممانعة استطرادا) واجبة، بالإصلاح، في الداخل كما على الحدود، وهو ما تأخّر منذ ولدت "الممانعة" أي قبل 42 عاما.

أمّا الممانعة نفسها، فالوقائع، منذ حرب تشرين 1973، تقول إنّها لم تكن يوما خارج الإطار الأميركي المرسوم، أي الخطوة الأخيرة في الدرب إلى السلم أو السلام أو غيرهما. يكفي أن يراجع، من يريد، وقائع التفاهمات بين النظام السوري وواشنطن منذ ذلك التاريخ، أو أن يتذكّر تجلّياتها عند دخول نظام الوصاية إلى لبنان وصولاً إلى تحرير الكويت ومؤتمر مدريد حتى خرق خط وقف إطلاق النار في الجولان والخط الأزرق في لبنان يوم 15 أيّار الفائت. ولمن تنقصه المراجع في شأن مرحلة الحرب اللبنانية يمكنه قراءة كتاب لهنري حاماتي، السوري القومي الاجتماعي، بعنوان "التضامن العربي الإسرائيلي على لبنان وفلسطين" والذي دفعه إلى هجر لبنان باكرا.

فوق ذلك، لم يعد في استطاعة الأمين العام، إذا أراد أن يكون منسجما مع توصيفه للثورات العربية، إنكار واقع أفرزته مواجهات النظام السوري مع المعارضة: لم تعد شرعيّة هذا النظام أو غيره تنطلي على أحد، لا في الداخل ولا في الخارج. سقطت صناديق الاقتراع المعلّبة وأرقامها الأسطورية تحت أقدام الانتفاضات، وبات الدم يفتدي إرادة الشعب، لا الرئيس القائد.

فهل يبرّر الكلام على مؤامرة أميريكيّة – أوروبّية على سوريا محاولة التعامي عن مؤامرة النظام على شعبه في حرّياته وحقوقه الأساسيّة؟ وهل صحيح أنّ سوريا، وتحديدا النظام مستهدف، حسب قول مناصريه، لأنّ سقوطه يغيّر وجه المنطقة؟

الردّ على الجواب أيّاً يكن، هو صحيح أنّ هذا النظام كان يحمي المنطقة من التغيير، لكنّه كان يحميها من التغيير الإيجابي. أي الانتقال الى الديموقراطية وحرّية التعبير وإدارة الشعب لشؤونه وإسقاط وصاية الحزب الواحد بل والعائلة الواحدة.

وهو وضع أدّى بأحد البعثيّين القدامى الى التعليق على طلب إلغاء المادة الثامنة من الدستور السوري التي تعطي حزب البعث احتكار السلطة بالقول: يجب تطبيق هذه المادة قبل إلغائها. فمَن حكَم سوريا منذ أكثر من 40 سنة ليس البعث بل العائلة.

نظام الممانعة، في منطق الأمين العام، يعني استمرار اللاحرب واللاسلام مقابل قمع الحرّيات، بينما منطق الثورة يقول إنّ قيام الديموقراطية يتيح للشعب أن يحسم، ويتحمّل مسؤولية قراراته، لا أن يميّعها.

ليسمح لي الأمين العام: لم يعد مقنعا منذ وسّع سلطته، وصارت إطلالاته المتلفزة كالعمليّات التذكيرية التي كان يحدّث جمهوره عنها أيّام كان حزبه مقاوما: ضجيج بلا نتائج.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل