لا يمكن إعطاء أي تفسير لـ"الربيع العربي" خارج إطار حرية الشعوب وكرامتها، خصوصا أن المشكلة الأساس لمعاناة شعوب هذه المنطقة كانت مصادرة حرياتها واستباحة كراماتها، وبالتالي مجرد الانتقال من أنظمة ديكتاتورية إلى أنظمة ديموقراطية، تعكس تطلعات الناس وحَقّها في القول والتعبير والممارسة، يعني أن هذا الربيع حقّقَ الغاية المرجوّة من قيامه.
فالمسألة المطروحة اليوم تكمن تحديدا في كيفية تحقيق هذه النقلة الموعودة من مرحلة إلى أخرى، وأي كلام آخر هو التشويه بعينه لـ"الربيع العربي"، لأن المطروح في هذه اللحظة هو الوصول إلى أنظمة ديموقراطية لا مدنية، علما أنه حبذا لو كان بالإمكان إرساء أنظمة ديموقراطية ومدنية في آن معا، إنما من المُبكر الرهان على هذا التوجه الذي يطرح تحديا على القوى المدنية والليبرالية من أجل تشكيل نموذج يحظى بثقة الناس.
وفي هذا السياق، لعلّ ما يستحق التوقف عنده أن حزب "النهضة" الإسلامي فاز بنصف عدد أصوات الناخبين التونسيين الذين يعيشون في الخارج، أي في أوروبا على وجه الخصوص، وهذا الأمر بالغ الأهمية لأنه يؤشر إلى انشِداد "الدياسبورا"، التي تعيش في دول غربية، إلى أحزاب من طبيعة إسلامية. وبمعزل عن تأكيدات الحزب بأنه "مع إسلام معتدل ولن يمس بمكاسب تونس الحداثوية"، فإنه لن يتمكن من الحكم منفردا، إنما سيكون ملزما التساكن مع أحزاب يسارية لأنّ النسبة التي نالها تتراوح بحدود الـ40 في المئة.
وإذا كان حزب "النهضة" أكثر المستفيدين من الثورة التي أشعلها البوعزيزي بعد القمع الذي عاناه أنصاره في عهد بن علي، فإنّ السلطة هي أكبر مروّض للمتطرفين، ويكفي النظر إلى تجربة "منظمة التحرير" ومن ثم حركة "حماس" وحتى "حزب الله" ما قبل العام 1990 وما بعده، وصولا إلى الإطلالة الأخيرة للسيّد نصرالله التي أشاد فيها بالحكومة من خلال قوله: "من النادر في تاريخ لبنان أن تنجز حكومة ما أنجزته الحكومة الحالية في الوضع القائم"، ما يؤشر ليس فقط إلى تمسّكه المطلق بالسلطة، إنما أيضا إلى انخراطه في هذه اللعبة حتى العظم.
هناك خلط في المفاهيم، وهذا الخلط لا يخدم حركات التغيير في الربيع العربي، إذ يقتضي التمييز حتى حدود الفصل بين الممارسة الديموقراطية والتوجهات الإسلامية، هذه التوجهات التي لم تعد مرادفا بعد هذه الثورات للانغلاق والتشدد والتزمّت، إنما باتت حكما أقرب إلى النموذج التركي كي لا نقول متقدمة عليه. فالشعوب التي ثارت على الظلم والقمع والبطش والديكتاتورية ليست بوارد استنساخ هذه التجارب بصيغ إسلامية أو غيرها، إنما هي معنية بتطوير تجربتها انسجاما مع روح الثورة التي أوصلتها.
كما لا يجب أن يسهى عن بال أحد بأن وجدان المنطقة هو إسلامي بامتياز، وبالتالي لا يمكن مقارنة الثورات العربية مع الثورة الفرنسية، لأن الغرب هو الغرب، والشرق هو الشرق، والسقف المُرتجى ليس فصل الدين عن الدولة، إنما عدم استخدام الدين أو التلطّي خلفه لضرب الحريات السياسية.
فلا تناقض بين الإسلام والديموقراطية، والشعوب كل الشعوب توّاقة إلى الحرية والحداثة والتطور، وما قبل الثورة العربية لن يكون كما بعدها. ومن هنا المهم كيف تُؤخذ السلطة، أي بالآليّات الديموقراطية القائمة على المحاسبة والمساءلة والانتخابات النزيهة والشفافة، وليس من يأخذ السلطة. فهل بشار الأسد، على سبيل المثال، الذي يصوّر نفسه علمانيا، هو "النموذج" الذي يقتضي الحذو حذوه أم إسقاطه؟
أمّا التحدي الجوهري المطروح اليوم على الشعوب العربية كلها، وفي طليعتها الشعب التونسي، فهو يكمن في كيفية خلق دينامية تمنع الإسلاميين، في حال كان لديهم النيّة بذلك، من استغلال الانتخابات للوصول إلى السلطة، ومن ثم تحويلها إلى انتخابات لمرة واحدة وأخيرة بُغية إعادة القديم إلى قدمه، أي الحكم بطريقة ديكتاتورية.
