هي إطلالة بـ»غير مضمون»، أو إطلالة «الحاجة» خصوصاً بعد كلّ الكلام المتداول عن عملاء حزب الله الذين فرّوا مباشرة إلى إسرائيل ـ حتى تسقط نظرية اختراق الـ CIA للحزب ـ هي إطلالة تتوجه إلى المسيحيين خصوصاً، وتأتي في ملاقاة سريعة لخلق مبرّر لـ»حلف أقلي» في استثمار ـ غير بريء ـ لكلام البطريرك بشارة الراعي الذي لم يختر بعد براً واضحاً للرسوّ عليه!!
هي أكثر المرات التي أخفق فيها السيد حسن نصرالله في جعل ما يقوله محافظاً على قدر ما من الموضوعيّة، وكالعادة «التخويف» وسيلة العاجز في إقناع الآخرين برؤيته، فلا موقفه من تمويل المحكمة الدولية كان يحتاج إلى هذه الإطلالة، لأن اللبنانيين أدركوا منذ لحظة اغتيال الرئيس رفيق الحريري أن السيد حسن نصرالله هو القائد الفعلي لمنع التحقيق في جريمة الاغتيال وكلّ الجرائم التي تلتها!!
وإطلالة نصرالله لها ما يبررها فمحورها الأساسي هو اللعب على مخاوف وهواجس مسيحيّة عمل على زرعها في عقول المسيحيين طوال الرحلات الرعوية التي قام بها البطريرك الراعي جاءت في لحظات منها صادمة في دعمها لنظام قمع وقتل المسيحيين خصوصاً واللبنانيين عموماً طوال ثلاثين عاماً وأمعن في قتل وترهيب الشعب السوري طوال أربعين عاماً، ولم يتأخر أمين عام الحزب في تكريس التخويف والدعوة لالتحاق المسيحيين في محوره تحت عنوان «مزيف» حمل عنوان: «تحالف إسلامي ـ مسيحي لمواجهة المشروع الأميركي ? الإسرائيلي ? والتيار التكفيري»، فقد وضع في الظلّ محور الممانعة مغيراً المصطلح مؤقتاً، وهنا مكمن التناقض الشديد في كلام نصر الله الذي فشل في إقناع مشاهديه بجوهرية وحقيقيّة ما يخوّف منه؟!
تجاهل السيد نصرالله أن سوريا الممانعة كانت وفي عزّ موت أطفال الجنوب خصوصاً واللبنانيين عموماً خلال حرب «مغامرة» أخطأ نصر الله في حساب حجم الردّ عليها، كان النظام السوري «الممانع» يفاوض إسرائيل من تحت الطاولة، فبلا «ممانعة» بلا «بطيخ» وبلا ضحك على عقول الناس بشعارات فرغت من مضمونها!!
وتأتي قمّة التناقض في كلام نصرالله والتي اعتاد على تكرارها في قوله: « إذا ذهب الأسد إلى الأميركيين وقدم أوراق الطاعة فالموضوع في سورية يعالج فورا»، هذا كلام يضحك به على عقول السذّج الذين هم أيضاً بات من الصعب تصديقهم له، فقد سبق وسارع نصرالله نفسه إلى إعلان التبريكات بسقوط الأنظمة العربيّة المؤيدة للمشروع بل رأس الحربة في مشروعه، ألم يبتهج بسقوط نظام مبارك حليف الأميركي الذي خسر معركة فرضه الشرق الأوسط الكبير بسقوط حلفائه وفي طليعتهم الرئيس المصري السابق، وكانت أميركا أكثر الضاغطين عليه وأبرز مؤيدة للشعب المصري الثائر؟!
ما هذا التناقض واللعب على المواقف، وأي شيزوفرانيا يعيشها حزب الله «المحشور» في أضيق الزوايا منذ تأسيسه فمشروعه الكبير ينهار أمام عينيه وهو أعجز من أن يفعل شيئاً؟!
أما حديث نصرالله المستجد عن التكفيريين ـ والذي لا نعرف من قصد به السيد ـ فلا يُردّ عليه إلا بسؤال واحد: أليس حزب الله بنفسه وبعقيدته وأيديولوجيته ومذهبه حزب تكفيري؟! وأسأل السيد ما إذا كان علينا أن نعود إلى أمهات الكتب ونشر تاريخنا «الوسخ» في تكفير بعضنا البعض؟! أم علينا أن نمرّ مرور الكرام سائلينه ما قوله فيما يقول ابن بابويه: «واعتقادنا فمن جحد إمامة أمير المؤمنين والأئمّة من بعده أنّه بمنزلة من جحد نبوّة الأنبياء». [الاعتقادات: 111] وقول المفيد: «اتّفقت الإماميّة على أنّ من أنكر إمامة أحد من الأئمّة وجحد ما أوجبه الله تعالى له من فرض الطّاعة فهو كافر ضالّ مُستحقّ للخلود في النّار»، أليس من الأفضل إغلاق هذا الباب الوهمي الذي فتحه بالأمس لتخويف مسيحيي لبنان واستدراجهم إلى حلف معلن مع «إيران» لا مع حزب الله، ففي وجود الأصيل لا دور للوكيل!!
ثم هذا التيّار التكفيري «المبهم» الذي تحدّث عنه السيّد ألم يجد حاضنة عظيمة في إيران؟ ألم تظهر عائلة أسامة بن لادن في إيران تحديداً بعد طول اختفاء؟ ألا يتداول الإعلام أسماء قيادات من القاعدة وجدت ملاذاً آمناً في لبنان؟
ولنأتِ إلى نظام الممانعة السوري، ألم يخرج شاكر العبسي الإرهابي التكفيري من سجون سوريا بـ»عفو رئاسي»، ألم تشكّل «الممانعة» ممراً ومقراً آمناً في أراضيها لكلّ أرباب القتل والاغتيال والتفجير في العراق، ألم يتهم علانية «نوري المالكي» سوريا بأنها وراء عمليات التفجير والقتل والسيارات المفخخة التي قتلت الكثير من أبناء الشعب العراقي؟!
«عفواً» حضرة الأمين العام، تحتاج إلى حجج مقنعة في دفاعك عن نظام يرتبط بقاؤك ببقائه، أمّا «الحلف الإيراني» الذي تدعو إليه فلن يكون المسيحيّون فيه أكثر من رهائن تواجهون بها العالم في لحظات اختطافكم الأخيرة للمنطقة وللبنان وشعبه، فاللعبة قد «شارفت على الانتهاء»!!