كتبت رباب الحسن في صحيفة "اللواء":
أخيرا أعلن "حزب اللّه" صراحة على لسان أمينه العام السيد حسن نصر الله رفض تمويل المحكمة الدولية: "حزب الله لا يوافق على التمويل، ومن يُرد التمويل من جيبه فليفعل، وإذا كان التمويل من الموازنة فالقرار يُتخذ في مجلس الوزراء، وإذا لم نصل إلى موقف إجماعي بهذا الشأن ننتقل إلى التصويت".
بهذه الكلمات البسيطة وضع "حزب الله" الحكومة أمام خيار من اثنين، اما التصويت على بند تمويل المحكمة في مجلس الوزراء وذلك يعني سقوط الاقتراح وبالتالي عدم التمويل، واما استقالة الحكومة.
لكن يبدو أن نصر الله الذي يجزم بأن الرئيس نجيب ميقاتي باعتباره رجلا ديمقراطيا سيحترم قرار مجلس الوزراء وبالتالي سينصاع له، وضع لبنان بأسره أمام موقف أقل ما يقال فيه أنه محرج أمام المجتمع الدولي الذي سمع مرارا التزاما من ميقاتي بتنفيذ القرارات الدولية ومن ضمنها تمويل المحكمة الدولية، وهو ما كان أكده ميقاتي بنفسه لزواره من أنه يتمسّك بتمويل المحكمة الدولية، رغم التباين في الرأي مع حزب الله.
والسؤال الأساسي المطروح اليوم في صالونات القوى السياسية سواء الرافضة أو المؤيدة لبند تمويل المحكمة الدولية، يتمحور حول أي عواقب يمكن أن تصيب الحكومة الميقاتية فيما لو سقطت وعود رئيس الحكومة التي أطلقها بإتجاه المجتمع الدولي لا سيما الدول الكبرى في مجلس الأمن في أن حكومته ستدفع حصة لبنان المالية المطلوبة لتمويل سير عمل المحكمة الدولية؟
يرى المراقبون أنه اذا فشل الرئيس ميقاتي في اقرار بند التمويل فذلك سيرتب على لبنان اعلان عدم قدرته على الالتزام بالقرار الدولي رسميا، وذلك يعني بأن على الأمم المتحدة أن تقرر الموقف من لبنان، الذي سيكون أمام مفترق طرق في كيفية تعاطي الأمم المتحدة مع قرار رفض التمويل • فاذا أرادت الأمم المتحدة التساهل مع لبنان من خلال الأخذ بعين الاعتبار الوضع السياسي القائم فيه بأبعاده المحلية والإقليمية لناحية الانقسام الحاصل ما بين الفريقين السياسيين 8 و 14آذار، فإنها لن تفرض عليه أية عقوبات وتسعى الى تأمين تمويل المحكمة من المصادر الأخرى التي حددها قرار انشاء المحكمة. أما في حال قررت الأمم المتحدة تصعيد الموقف مع لبنان فذلك يعني أن مجلس الأمن الدولي سيعمد الى فرض عقوبات على لبنان باعتباره دولة مارقة غير ملتزمة بالقرارات الدولية.
وأكثر ما يخشاه المصدر السياسي أن تطال تلك العقوبات المصارف اللبنانية التي تعتبر الرئة الإقتصادية التي يتنفس منها لبنان.
وفي هذا السياق توقف المصدر السياسي أمام الكلام الذي أطلقته السفيرة الأميركية مورا كونيللي من أن "عدم تمويل المحكمة الدولية سيرتب عقوبات جدية على لبنان"، وتعبير"جدية" يحمل في طيّاته الكثير من المؤشرات التي قد تكون صعبة بالنسبة للبنان، كما يشير المصدر الى أن القيادات السياسية اللبنانية المعنية سمعت تحذيرات عديدة من عواقب اسقاط بند تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، فالمجتمع ينتظر ويراقب وسيتخذ اجراءات سبق أن حذر بأنه سيتخذها بوجه الحكومة اللبنانية فيما لو أخلت بالتزاماتها الدولية، "فسقوط بند التمويل لن يكون لمصلحة لبنان" وهذا أمر سمعه بوضوح كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة الذين زارا نيويورك مؤخراً وأجريا محادثات رفيعة على هامش أعمال الجمعية العمومية لهيئة العامة للأمم المتحدة.
كما يعرب المصدر في الوقت عينه عن خشيته من انعكاسات داخلية على استقرار الوضع الداخلي اللبناني في حال تنصل الحكومة من التزام بند تمويل المحكمة ولجوء مؤيدي المحكمة الى الشارع للمطالبة بالتمويل مع كل ما يترتب على ذلك من مخاطر على السلم الأهلي اللبناني.
وفي ظل كل هذه الصعوبات المطروحة ماذا سيكون عليه موقف النائب وليد جنبلاط الذي يعتبر بيضة القبان السياسية لبند التمويل؟
تقول المصادر أن جنبلاط مصر على موقفه لناحية تأييده بند تمويل المحكمة، وهو أمر لن يتراجع عنه، وهو يسعى لدى الأفرقاء السياسيين الى البحث عن مخرج يقي لبنان الذي يمر بظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية صعبة خطر الوقوع تحت العقوبات الدولية، التي يعتبر "حزب اللّه" أنها ليست سوى "تهويلات ضد الحكومة، للضغط عليها من أجل التمويل".
ولا ينكر مصدر مقرب من "الحزب التقدمي الاشتراكي" تصاعد المخاوف من وصول الحكومة إلى مأزق بسبب بند تمويل المحكمة، من شأنه أن يفاقم التداعيات السلبية للأوضاع الداخلية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بتعقيدات أزمات المنطقة المتوترة و الخطيرة، مشيرا الى أن رئيس الحزب وليد جنبلاط الرافض لمسألة التصويت في مجلس الوزراء لن يألو جهدا في البحث عن مخرج لهذه المسألة تحمي لبنان من المخاطر المحدقة به.
واذ رفض المصدر الحديث عن نوعية المخرج أشار الي امكانية اللجوء الى التصويت في مجلس النواب على بند التمويل والذي سيحظى حينها بتأييد الأكثرية النيابية لا سيما وأن نواب كتلة الرئيس ميقاتي اضافة الى كتلة جنبلاط سيصوتون لصالح التمويل الأمر الذي سيؤمن مخرجا لائقا للجميع ويحمي لبنان من عقوبات لا زال "حزب اللّه" يعتبرها بعيدة، ولكن الكثيرين في لبنان يعتبرون أنها أقرب مما يتصوره البعض لا سيما في ظل التغييرات السياسية التي تشهدها المنطقة العربية.