#adsense

نهاية خاطئة لقضية محقة

حجم الخط

رفض بنيتو موسوليني ان يغادر ايطاليا مع تقدم الحلفاء وتهاوي الفاشية. لكنه في النهاية اضطر الى الهرب تجنباً للوقوع في أيدي الشيوعيين، فانضم الى قافلة عسكرية المانية متجهة الى التيرول الايطالي. كان يركب في صندوق شاحنة ويرتدي سترة عريف فوق سترة الجنرالية والتأله. سُحب من الشاحنة، وحوكم، ورمي بالرصاص، ثم وضع فوق جثة عشيقته الأخيرة، كلارا بيتاشي، وعرض على الشعب.

لم أجد صورة أقرب الى نهاية معمر القذافي، من نهاية الفاشي الثرثار الذي اختصر ايطاليا في ذاته وفي سفاهته وفي كلا الحالين – كما في كل الحالات – نرى كيف يتحول الضحية الى جزار، والساكن الى مفترس، وتصير الحالة الانسانية للحظة، محيرة: هل تستنكر همجية الثأر، أم تبررها بأربعين عاماً متوحشة، خالية من كل رادع أو وازع بشري؟

بصفتي البسيطة والفردية، كأكثر صحافي عربي كتب عن الظاهرة القذافية المرضية والمغشية، كنت ضد كل لقطة من المشهد الأخير في السيرة السقيمة والمملة، لا أحد يملك الحق في اعدام أسيره، من دون طقوس القانون، ولو صورية، كما في حال الدوتشي، أو كما في المحاكمة المتخلفة التي أعدت لصدام حسين، الذي بدا أفضل من قضاته.

لا يجوز ان يحاكي عنف المحكوم عنف الحاكم. ولكن، على نحو ما، تلك هي النهاية التي رسمها لنفسه، الأخ قائد الفاتح العظيم، الذي انتهى مسجى على فرشة من الاسفنج في مستودع للحوم المبردة، لا أحد يريد تحمل مسؤولية القرار في دفنها، والاطباء الشرعيون، يخافون الاقتراب منها، بسبب عفن الموت واعفان ذكريات العقود الأربعة.

في الحديث الكريم ان الناس نيام، إذا ماتوا انتبهوا. صحا معمر القذافي "نبي الصحراء الجديد وهو مختبئ في عبّارة ضيقة ومتسخة. مرّت أمام عينيه صور الرفاق الذين خطفهم والذين قتلهم والذين شردهم والذين طاردهم في الأرض. مرّت أمام عينيه صور ابنائه الذين فروا والذين قتلوا وصورة وريثه سيف الاسلام، الذي كان آخر ما قال للناس وهو يغادر طرابلس: طز في المحكمة الدولية. مرّ امامه انه رئيس الدولة الوحيد الذي استخدم كلمة "طز" وعلمها لاولاده. من أي شارع ومن أي زنقة جمع خطابه السياسي، العطن والمقزز.

لم تُرسل برقية واحدة في التعزية به. دعكم من مونولوغات هوغو تشافيز. هذا رجل بقي أربعين عاماً بلا اصدقاء، ليس لأنه عدو الغرب، بل لأن تعامل الدول معه صار شبهة، واحياناً تهمة. لم يعرض على أحد سوى مشاريع القتل والدمار. لم يموّل سوى شحنات الأسلحة. لم يستطع احد ان يأمن استعلاءه وغدره وانتفاخ ذاته.

جثم اربعين عاماً على صدر أحد اجمل وأغنى وأعرق بلدان العالم. أوقف تقدمه وتطوره وأسر مواهبه ووأد حرياته وتحول أمام شعبه الى عارض ازياء ملون بألون العظمة ونياشين المسارح. عندما بحثوا في تسليم جثته، اكتشفوا انه ليس له قريب مباشر. قضى على عائلته بعدما قضى على بلده. الرتبة العسكرية الوحيدة الأعلى من رتبته في الجيش، كانت رتبة ابنته عائشة: فريق.

أين هي عائشة وأين هي العائلة وأين هم الاحفاد، المخلوقات الوحيدة التي كان ينحني أمامها على الأرض، متذكراً أرض الخيمة والفقر وجدب الصحاري في الاربعينات. لذلك صرخ في المواطنين الجرذان يذكرهم: انا من الخيمة! أنا منكم. لكن خيمة اليوم كانت تخبئ عشرات آلاف الملايين. جعل ليبيا كلها دفتر توفير شخصياً وعائلياً، فيما تقول مراسلة "النيويورك تايمس" أواخر الثمانينات، إنها بحثت في أسواق طرابلس عن محارم ورقية، فقيل لها إن هذا بلد اشتراكي لا يعترف بالترف.

كيف أنشأ أولاده لكي يعلمهم أصول الحكم؟ أرسل سيف الاسلام للدراسة في فيينا ومعه جروان تعلق بهما. ليسا هرين بل نمران. حاولت الجامعة الاعتراض فهدّد بقطع العلاقات. ومثل كل اوروبا، غيرت النمسا قوانينها. وبدل ان تكون علامتها دار الأوبرا ومواقع موزار، صارت نمر العزيز سيف. وسوف يسجل له لاحقاً خفض مرتبة "مدرسة لندن للاقتصاد" بين أرفع جامعات العالم، لأنه مرّ بها دكتوراً تحت ابطه كنوز روبنسون كروزو.

أهدى الى إيران الصواريخ لضرب العراق وأرسل ابنته عائشة تدافع عن السجين صدام حسين. لا حدود للعبث العربي ولا حدود للعنف العربي. يقول مصطفى عبد الجليل إن كلفة التحرير 20 الف قتيل و30 ألف جريح. لا أزال اعتقد ان لا شيء يبرّر عرض اللحظات الأخيرة من القذافي معفراً بالرمل والذل والدماء ثم مقتولاً بما يسمى حقاً في هذه الحالات رصاصة الرحمة. هو كان رجلاً جلاداً لا رحمة في قلبه، حتى على أولاده. دفعهم الى حياة فاجرة ثم الى موت مهين. وهبهم ليبيا كسوار وترك الليبيين يستعيدونه بقطع الأيدي. لم يترك لهم خياراً آخر. ولا كان من الممكن العثور على آثار للقانون من بعده.

على رغم ذلك كان قتله وحشياً. القادم باسم الديموقراطية والحرية لا يسحل جريحاً نازفاً جاراً إياه من شعره. يحاول ان يتفادى الظهور مظهر الهمجي الذي لم يعط اسراه فرصة الكلام أو الاعتراض أو التوسل. ان كل ما سمعناه ورأيناه ليس كل شيء. وفي هذه الحالات يغطى، الى الأبد، جزء كبير من الحقائق تحت الرمال الى الأبد. فلن نعرف من أعطى الأمر ومن دلّ على مكانه، أو متى عرف مكانه، ومن رأى انه من الأفضل ان يذهب وأسراره معه.

لم تكن المصالحة ممكنة في ليبيا لو بقي حياً. ولا اعادة تأسيس الدولة. ولا نقلها ببساطة من خرافة الجماهيرية الى صيغة الأنظمة. كل ذلك سوف يستغرق وقتاً طويلاً ومريراً الآن. ذلك ان الـ"الثورة الثقافية" التي قلّدها بغباوة دامت عنده نحو 40 عاماً، والفاشية التي نقلها عن موسوليني، مستعبد ليبيا، كانت في أعلى درجات الفظاظة.

يقول نهرو إن موسوليني جمع بين الدعوات المتناقضة وتعلم جيداً أساليب الإثارة والتهييج. ومثل الفاشية كانت دعواه الأيديولوجية ملمومة من كل واد عصا: "أما رمزها فقد أخذوه من رمز قديم كان يحمله الأباطرة القدامى وهو عبارة عن حزمة من العصي (اسمها اللاتيني فاشس ومن هنا كلمة فاشية) وفي وسطها بلطة. والسلام الفاشي مأخوذ أيضاً من روما القديمة وهو رفع الذراع مبسوطة الى الامام. وكان برنامج الفاشية الوحيد هو الحصول على السلطة. والفاشيون يدافعون عن العنف".

يقول نهرو: "كانت خطب موسوليني انفجارية تهديدية لا تمت بصلة الى خطب الساسة والديبلوماسيين ورؤساء الدول الآخرين. كان يبدو دائماً متحدياً داعياً للنزال". وكما فعل موسوليني بالغاء جميع الاحزاب، كان أول شعار رفعه "من تحزب خان". ورمى في السجون القوميين والبعثيين الذين كان يدعي أنه منهم. وألغى الوجهاء والبارزين والشخصيات القبلية والكتاب والشعراء وطبعاً رفاق الثورة. ولم يبق من ليبيا شيء خارج قبضته وعائلته، الا الذين استطاعوا الفرار، واحداً بعد الآخر.

يزول بزواله نموذج من أواخر النماذج الستالينية التي ظهرت في الستينات في الدول المغضوب عليها. رجال منعوا عن بلدانهم تجارب الديموقراطية والتقدم والنمو والفرص والعدالة، وملأوا الشوارع والساحات ملصقات وتماثيل وتألهات تشبه عصور السلاطين. وحذروا الشعوب من أن الحرية خيانة والتقدم تسيب. وفيما كان العالم المتقدم يرفع مستويات التعليم ويصرف ثرواته على العلوم، كان معمر القذافي يصرف أموال الليبيين على المؤامرات والخراب في كل مكان تمكن رجاله من الوصول اليه.

في ذهابه راحة للبشر. وربما لن يعود مسموحاً في أي مكان بظهور المهووسين وعبدة الذات ومحتقري شعوبهم وسالبي أرضهم. لكن الطريقة التي قتل فيها كانت من الوصمات في احداث التاريخ. فالعنف دائماً على خطأ.

المصدر:
النهار

خبر عاجل