إنتظرنا وثيقة تقلب المقاييس والموازين، تُحدث زلزالاً، تُدخلنا في مرحلةٍ جديدة، فلكثرة ما سمعنا عن تحضير للقاء سيدة الجبل ولحشد لشخصيات سيحددون دور المسيحيين في الربيع العربي، حسبنا أننا سنكون أمام دستور جديد، فإذا بها وثيقة نسخة طبق الأصل عن تصاريح جماعة الرابع عشر من آذار وُضعت في بيان، زينتها تعابير فضفاضة عن الحرية والكرامة والعدالة وغيرها من تلك التي كانت تُستعمل في ذكرى الرابع عشر من شباط لإثارة العواطف وحشد الحضور.
تحدثت الوثيقة عن ضرورة الإستفادة من الربيع العربي من أجل قيام دولة مدنية بكل الدول التي تحررت من أنظمة الإستبداد، فكان الجواب لهم سريعاً من خلال إعلان رئيس المجلس الإنتقالي الليبي أن ليبيا دولة إسلامية، تستمد قوانينها من الشريعة الإسلامية، معلناً وقف مفعول كل القوانين التي تتعارض مع الشريعة الإسلامية كقانون تحديد تعدد الزوجات وقانون الفوائد في المصارف وغيرها. نعم هذا ليس أول الغيث، فالعراق تحرر من طاغيته، لكنه دماء مسيحييه حُللت فأصبحت تُرتكب المجازر بحقهم في الكنائس، إلى أن تركوا أرضهم لاجئين في بلاد الله الواسعة. مصر أيضاً تخلصت من رئيسها الفاسد، لكن اقباطها يُضطهدون كما كان يُضطهد المسيحيين الأوائل أيام نيرون. أين أصبح مسيحيو فلسطين مهد السيد المسيح والديانة المسيحية؟ من يتقدم في إنتخابات تونس؟ من يقود الربيع العربي في سوريا؟ أليسَ العرعور وأمثاله؟ ربما وجب على أصحاب اللقاء إستعراض بعض المحطات التاريخية المهمة التي غيرت وجهة مسيحيي المنطقة، ليتعظوا منها فعندها يُصدرون وثيقة تكون مبنية على أساس سليم ووقائع صحيحة.
ذكرتنا الوثيقة بضرورة "بلورة العيش المشترك بما يتخطى مستوى التساكن أو التعايش بين المجموعات المتعددة".. وهنا من الضروري تذكير أهل اللقاء أن العماد ميشال عون كان أول من بادر إلى تحرك عملي لبلورة العيش المشترك من خلال توقيع وثيقة التفاهم مع حزب الله هذا الحزب المُتهم بأنه سينقل لبنان من جهمورية ديمقراطية إلى ولاية فقيه، كما لا بد من تذكير شخصيات اللقاء أن البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي قد كسر من خلال جولاته على المناطق اللبنانية كل حواجز الخوف من الآخر التي وضعها من سبقه لأسباب لم تعد مخفية على أحد، ودعا الجميع للتمسك بالعيش المشترك والتآخي والتلاقي على حب ومصلحة الوطن.
الكل يُجمع على رفض المشاريع التي تحول المسيحيين في المنطقة إلى مجرد أهل ذمة يطلبون الحماية من هنا وهناك. ولكن هل المشروع الذي يدعمه أصحاب اللقاء هو ضمانة المسيحيين في الشرق؟ هل الغرب الذي ما زال يتابع تنفيذ مخطط كيسنجر هو الذي سيحمي المسيحيين؟ هل الغرب حامي الحريات الذي يدعم دولة إسرائيل ويتغاضى عن كل جرائمها ومجازرها هو ضمانة المسيحيين؟ هل تجريد المقاومة من سلاحها والإمتناع عن تسليح الجيش اللبناني ليصبح قادراً على ردع أي إعتداء إسرائيلي هو ضمانة المسيحيين؟ يتحدثون عن رفضهم للقمع للجرائم التي ترتكب بحق المطالبين برفع الظلم، وقد تناسوا أن أحد أبرز داعمي هذا اللقاء كان أول من إنتفض وقمع وألغى ونكل بالمسيحيين من كفرشيما إلى المدفون.
لم تكن الوثيقة على مستوى تطلعات جمهور الرابع عشر من آذار، هذا الجمهور الذي صُعق من وثيقة أكثر ما يُمكن أن يُقال عنها أنها مجرد حبراً على ورق، جعجعةً من دون طحين أراد مُطلقوها تحديد دور للمسيحيين في الربيع العربي علهم من خلال ذلك يجدون لهم دوراً إفتقدوه منذ أن خسروا السلطة دستورياً.