يزخر موقع العونيين الإلكتروني بمقالاتٍ لا تصلح إلاّ للثرثرة والحشو، وضخّ الأكاذيب في بعض العقول الفارغة، ومنها ما هو مُذيّل بإسم "المحامية مي خريش"، التي يبدو انها بالغت في شططها، متوهّمة أنّها مي زيادة، بحيث اباحت لنفسها، في آخر "ابداعاتها"، توجيه الإنتقادات اللاذعة لمئات الأكاديميين والمثقّفين المسيحيين المُجتمعين في لقاء سيدة الجبل، مانحةً لنفسها الحق في تلقين القرّاء دروساً دستورية تصّب في خدمة بعض الديكتاتوريات المتناثرة امام رياح "الربيع العربي"، مُنهيةً "مقالتها" بجرعة حقدٍ سكبتها على "القوات اللبنانية" ورئيسها.
ولا شكّ في ان إعلان رئيس المجلس الإنتقالي الليبي مصطفى عبد الجليل ان ليبيا تستمد قوانينها من الشريعة الإسلامية، قبل ان يعود ويُشدد على اعتناق ليبيا الإسلام المعتدل وليس التكفيري، بسط اسارير المحامية خريش التي رأت في هذا الإعلان مسوغاً شرعياً يمكن الركون اليه لتبرير دفاعها المستميت عمّا تبقّى من ديكتاتوريات، وفي مقدّمها نظام بشار الأسد.
ولا غرو إن قلنا إن المحامية خريش، ومن خلال تهجّمها على المجلس الإنتقالي الليبي، كانت تدافع عملياً عن بقاء نظام القذّافي، ذلك ان بقاء ديكتاتور من هنا، يعني واقعياً توفير الشرعية لبقاء ديكتاتورٍ آخر من هناك، وبالتالي فإن تبرير وجود بشّارٍ من هنا، يفترض تبرير وجود مرحومٍ قذّافي من هناك… ولكن في معرض دفاعها المستتر عن نظام القذّافي، فات المحامية خريش ان المجلس الإنتقالي الليبي، لن يصل في اي حالٍ من الأحوال مهما "تمادى" في إسلامويته، الى حدّ إرسال السلاح والمسلحين الى لبنان لإقتلاع المسيحيين، وصولاً حتى "دعوتهم للتخلّي عن المسيحية واعتناق الإسلام"، تماماً مثلما فعل العقيد القذّافي خلال الحرب اللبنانية… فأهلاً بـ"التسامح الديني"، واهلاً "بالعلمنة"، وأهلاً "بالتعايش"!!!
وبعد، إذا كان رفض المحامية مي خريش لمسار "الربيع العربي"، نابعٌ، بحسب إدّعائها، من خوفها على مستقبل الدول "المدنية" في المنطقة، مستندةً في ذلك الى تبنّي المجلس الإنتقالي الليبي تشريعاتٍ مُستمدّة من الإسلام، فإن ذلك، لا يُبرر لها وللتيار العوني، الدفاع عن نظام البعث في سوريا. اولاً، لأن نظام البعث لا علاقة له لا بالمدنية، ولا بالعلمانية، ولا بالتسامح، وإنما هو مصدر التخلّف والقمع والرجعية. وثانياً لأن دستور نظام "البعث" في سوريا- وبخلاف الوضعية المجتمعية في الدولة الليبية التي تُعتبر دولةً متجانسة دينياً يعتنق 99% من سكانها الإسلام السنّي على مذهب الإمام المالكي- لا يأخذ بعين الإعتبار الواقع التعددي في سوريا، بحيث جاءت المادة 3 من دستور البعث في سوريا لتكرّس تمييزاً دينياً كبيراً بحق حوالى 10% من المواطنين المسيحيين السوريين، من خلال حرمانها اي مواطن مسيحي سوري من تبوء موقع رئاسة الجمهورية السورية، عبر تشديدها على ان:
" دين رئيس الدولة هو الإسلام، والفقه الإسلامي هو مصدر رئيسي للتشريع"…
إن من تسوّل له نفسه الإنقلاب على التراث المسيحي الحضاري التنويري في الشرق، مُقدّماً نفسه بثوب "محامي الشيطان"، متوكلاً للدفاع عن إنتهاك حرمة الإنسانية، خدمةً لمصالح آنية، أو إرواءً لأحقادٍ شخصية تتناقض بالأساس مع روحية التراث المسيحي، هو العدو العملي للوجود المسيحي في لبنان والشرق، وهو الحليف الموضوعي للتطرفّ، بعدما صار خادماً أميناً للديكتاتورية…
وإن من يُسخّر نفسه وحقده وثوب محاماته لتهميش المنطقة الوحيدة التي بقيت حرّة في لبنان إبّان الحرب والممتدة من كفرشيما الى المدفون، بالتزامن مع مرافعته عن الجلاّد إيّاه الذي دّك هذه المنطقة، وذبح ابنائها وخطفهم واغتالهم، إنما هو محامٍ فاشل، لقضية خاسرة، في زمنٍ خاطىء…
وعليه، صحيح ان "القوات اللبنانية" كانت قوّة الأمر الواقع، التي قدمّت خيرة شبّانها على مذبح القضية حفاظاً على نواة الحريّة في لبنان، التي اقتصرت خلال الحرب على الرقعة الجغرافية الممتدة من كفرشيما الى المدفون، قبل ان تتوسّع لتشمل لبنان كله في 14 آذار 2005، لكن القوات لم تمارس سلطتها إلاّ لسدّ الفراغ الأمني والخدماتي الناتج عن تلكؤ الدولة في القيام بواجباتها، فلم تحصل بإي حالٍ من الأحوال الإرتكابات والتجاوزات والتصفيات التي حصلت في مناطق كانت خاضعة مباشرة او بالواسطة لنظام الأسد، الذي توكلّت المحامية خريش للدفاع عنه اخيرا…
إن الإدعاء، ولو مواربةً، ان الدكتور جعجع كان مُكتفياً وراضياً بـ "وزنات" المنطقة الحرّة التي ورثها عن الجبهة اللبنانية لإنشاء "دويلته"، هو إدعاءٌ مجافٍ لكل الوقائع، لأنه اولاً، ومن حيث المبدأ، كيف للدكتور جعجع، وهو ابن الشمال، ان يتخلّى عن شماله الذي يُعتبر ظهير جبل لبنان وخزّان الشبّاب المسيحي، مع علمه المسبق واليقين، بأن اوضاع مسيحيي لبنان لا يمكن ان تستوي، إلا عبر ربط مسيحيي الجبل سياسياً، بمداهم الحيوي المتمثّل بمسيحيي الشمال…
ولأنه ثانياً، ومن حيث الطرح السياسي، لم تتخلَّ "القوات اللبنانية" في اي فترةٍ من الفترات عن شبرٍ واحدٍ من الـ 10452، حتى مع طرح الدولة الإتّحادية الذي رأت فيه "القوات"، في خضمّ أجواء الحرب تلك وفي اوج الصراعات السياسية والطائفية، مخرجاً أوليّاً من الحرب يُحافظ على وحدة الدولة اللبنانية بأرضها وشعبها ومؤسساتها. من هنا، فإن المنطقة الحرّة الممتدة من كفرشيما الى المدفون، لم تكن سوى النواة الصلبة، ونقطة الإرتكاز الأساسية بالنسبة لـ"القوات اللبنانية" للإنطلاق باتجاه تحرير كامل الـ 10452.
وما دام الشيء بالشيء يُذكر، فلا بد من التذكير بأن العماد عون ذاته، ارتكز في "حرب التحرير" على الرقعة الجغرافية ايّاها، قبل إخفاقه وإرتداده باتجاه اخوة السلاح والقضية سابقاً، مُنكفئاً ومتراجعاً حتى كفرشيما ونهر الكلب، وليس نهر المدفون… قبل ان يُساوم لاحقاً، مع السوريين وغيرهم، للإحتفاظ بهذه المنطقة الصغيرة، حتى وإن تقلصّت جغرافياً وسيادياً اكثر فأكثر، لتستقر أخيراً على مبنى القصر الرئاسي في بعبدا فحسب. ولعل ما يحصل منذ العام 2005 وحتى اليوم، هو خير دليلٍ على ذلك…
إن من نكّل بالمسيحيين، واضطهدهم وساهم بهجرتهم، وأثار الملفات القضائية المفبركة بحقّهم، وارتكب 7 اب، وزوّر الإنتخابات واغتال القادة والنشطاء المسيحيين، ليس فقط بين كفرشيما والمدفون، وإنما على امتداد مساحة الوطن كلّها، هو "نظام السجون والقبور"، كما وصفه العماد عون في أواخر آذار 1989. والمفارقة المؤسفة، أن النظام ذاته، صار اليوم، بنظر من تبقّى من التيار العوني، ومنهم المحامية مي خريش، "نظام الحريّة والزهور"، محاولين بمسحوقهم الدعائي البرتقالي إخفاء تجاعيد جرائمه وآثارها التي لا يُمكن للزمن محوها، بهذه البساطة العونية، "لأن ما أفسده الدهر لا تُصلحه مساحيق العطّارين، ولا أكاذيب ومقالات ما تبقّى من عونيين"…