الأربعاء السّادس بعد عيد ٱرتفاع الصّليب
قراءةٌ منَ القدِّيسِ يوحنَّا الدِّمَشقي (+749) منَ المادَّةِ إِلى الرُّوح
سمَّى ربُّنا تلاميذَهُ "طوباويِّينَ"، قال: طُوبَى لأَعيُنِكُم لأَنَّها تُبصر، وآذانِكُم لأَنَّها تسمَع! (متى 13/16).
إِستَحقُّوا التَّطويبَ لأَنَّهُم عاينوا يسوعَ وآلامَهُ وعجائبَهُ، وأَصغوا إِلى كلماتِهِ! نحنُ نشتهي أَن نُعايِنَ ونسمَع، ولٰكنَّ هٰؤلاءِ رأَوهُ وسمعوهُ وجهًا لوجه، لأَنَّهُ كانَ حاصرًا معهُم بٱلجسَد. وهو الآنَ غيرُ حاضرٍ معنا بٱلجسَد، فإِنَّا نسمعُ كلماتِهِ منَ الكتبِ المقدَّسة، ونتقدَّسُ بٱلسَّمع، فنطوِّبُ الكتبَ الَّتي تخبرُنا بها، وهٰكذا نتصوَّرُ المشاهدَ الَّتي يصفُها الكتاب، ونتفرَّسُ بعينِ الفكرِ في طلعتِهِ الجسديَّةِ، وفي عجائبهِ وآلامِهِ، فنتقدَّسُ ونرتوي ونُسرُّ ونسعد. وبٱلوقارِ نعبُدُ طلعتَهُ الجسديَّة، الَّتي تجولُ في فكرِنا يتخطَّى بنا إِلى بعضِ التَّصوُّرِ لجلالِ لاهوتِه.
فكما أَنَّنا من جسدٍ ونفس، ونفسُنا لا تستطيعُ الآنَ أَن تقفَ إِلَّا بمؤَازرَةِ الجسَدِ الَّذي يحتجبُ فيهِ، كذٰلكَ يستحيلُ علينا أَن ندرِكَ الأُمورَ الرُّوحيَّةَ إِلَّا بٱلوسائِلِ الماديِّة. وكما هي الحالُ في حاسَّةِ السَّمعِ تُدرِكُ بسماعِ كلماتٍ محسوسةٍ أَمورًا روحانيَّةً لا تُحَسّ، عاريةً من كلِّ مادَّةٍ على الإِطلاق، كذٰلكَ برؤْيَةِ المَشَاهِدِ الحسيَّةِ أَو تصوُّرِهَا، نُدرِكُ الأَمورَ الرُّوحانيَّة.
إِذنْ، فٱلغوصُ الفكريُّ يرفعُ القلبَ بٱلصَّلاةِ إِلى مداركِ الرُّوح. وعليهِ أَخذَ المسيحُ طبيعةً من نفسٍ وجسَد، مثلَ الإِنسان، ليُظهِرَ للإِنسانِ قوَّةَ اللاَّهوتِ بٱلملموسَات. كذٰلكَ المعموديَّةُ بٱلماءِ والرُّوح، والتَّناولُ، وأَسرارُ الكنيسةِ والصَّلاةُ والتَّسبيحُ والنُّورُ والبخور، كلُّها وسائلُ ٱتِّحادٍ بينَ المادَّةِ والرُّوح.
الرّسالة: 1 قور 7: 1-3، 8-14، 17، 24
1 أمّا في شأن ما كتبتم به إليّ، فحسن للرّجل أن لا يمسّ ٱمرأة!
2 ولٰكن، تجنّبا للزّنى، فليكن لكلّ رجل ٱمراته، وليكن لكلّ ٱمرأة رجلها.
3 وليوف الرّجل ٱمرأته حقّها، وكذٰلك المرأة أيضًا رجلها.
8 أمّا لغير المتزوّجين والأرامل فأقول: حسن لهم أن يظلّوا مثلي أنا
9 ولٰكن إذا لم يستطيعوا أن يضبطوا أنفسهم، فليتزوّجوا؛ لأنّ الزّواج أفضل من التّحرّق
10 أمّا المتزوّجون فآمرهم، لا أنا بل الرّبّ، بأن لا تفارق المرأة رجلها،
11 وإن فارقته، فلتبق بلا زواج، أو فلتصالح رجلها؛ وبأن لا يترك الرّجل ٱمرأته.
12 أمّا البّاقون فأقول لهم أنا، لا الرّبّ: إذا كان لرجل مؤمن ٱمرأة غير مؤمنة، وهي ترضى أن تساكنه، فلا يتركها.
13 وإذا كان امرأة مؤمنة رجل غير مؤمن، وهو يرضى أن يساكنها، فلا تترك رجلها؛
14 لأنّ الرّجل غير المؤمن يتقدّس بٱمرأته المؤمنة. والمرأة غير المؤمنة تتقدّس برجلها المؤمن؛ وإلّا فيكون أولادكم نجسين، والحال أنّهم قدّيسون!
17 وفي ما عدا ذٰلك، فليسلك كلّ واحد كما قسم له الرّبّ، وكما كان حين دعاه الله. فإنّي هٰكذا أوصي في الكنائس كلّها.
24 أيّها الإخوة، ليبق كلّ واحد أمام الله على الحالة الّتي دعي فيها!
شرح آيات الرّسالة:
1 أمّا في شأن ما كتبتم: كانت قورنتس الوثنيّة مضرب مثل في ٱنحطاط الأخلاق. عاشت فيها الكنيسة النّاشئة صراعًا عنيفًا في علاقاتها بمحيطها: لم يكن في الإمكان أن يعيش المسيحيّون عيش أقاربهم وأصحابهم ومعارفهم الوثنيّين، ولا كان في الإمكان الخروج من بينهم أو الثّورة على عاداتهم ومعقتداتهم. فكانت الأسئلة الخطّيّة العديدة المتنوّعة من مؤمني قورنتس، وأجوبة بولس عليها بالعبارة التّالية المتكرّرة: "أمّا في شأن" (7/1؛ 7/25؛ 8/1؛ 12/1؛ 16/1؛ 16/12). لم تَرِد هٰذه العبارة في الفصلين 11 و 15، بل ورد في 11/18: "أسمع أنّ بينكم شقاقًا"، وهٰذا يعني أنّ بولس في الفصول (7-16) يجيب على أسئلة ومعلومات وردته خطّيًّا من قورنتس. في هٰذا الفصل 7 يعالج بولس موضوع الزّواج والبتوليّة لا مفصِّلًا في صورة مدقّقة وشاملة، بل مجيبًا نقطةً فنقطة على أسئلة خطّيّة وردته من قورنتس يمكن لنا تلخيص تفكير بولس في هٰذا الموضوع كما يلي: على كلّ مؤمن، مبدئيًّا، أن يختار الحالة الّتي كان فيها حين دعاه الله، ويبقى عليها طوال حياته. البتوليّة حالة أكمل وأنفع روحيًّا من حالة الزّواج. الزّواج تكامل بين الرّجل والمرأة، دواء للشّهوة، غايته القداسة.
فحسن للرّجل أن لا يمسّ ٱمرأة: حرفيًّا "حسَنٌ لإنسان أن لا يمسّ ٱمرأة"، عبارة تذكّر بما ورد في التّوراة "ليس حسنًا للإنسان أن لا يمس ٱمرأة"، عبارة تذكّر بما ورد في التّوراة "ليس حسنًا للإنسان أن يكون وحده" (تك 2/15)، وتنقضه، لأنّ المسيحيّ الّذي صار عضوًا للمسيح في كنيسته، بطل أن يكون وحده في وحشة مثل آدم. ترجمة أخرى ممكنة "أمّا في شأن ما كتبتم أنّه يحسن برجل …" يحبّذ بولس هٰذا المبدأ العامّ بالنّظر إلى العازبين والأرامل (7/8)، ويرفضه بالنّظر إلى المتزوّجين (7/2-5).
2 تجنبًا للزّنى: بولس يعتبر البتوليّة مثالًا عاليًا، ليس في مقدور الجميع. ويظهر كأنّه يبرّر الزّواج دواءً للشّهوة لا غير، ويتغاضى عن غايات الزّواج الأخرى كإنتاج البنين، والمحبّة المتبادلة، والخدمة والعطاء، وحياة الإيمان، وقداسة السّرّ … لٰكنّ بولس يجيب هنا على سؤال ملحّ، دون أن يعطي تفكيره كاملًا في سرّ الزّواج (أف 5/21-33).
لكلّ رجل ولكلّ ٱمرأة: الكلام موجّه إلى المتزوّجين. والجديد في الخُلُقيّة المسيحيّة أن يكون الزّواج عطاء متبادلًا بين رجل واحد وٱمرأة واحدة، فلا تعدُّدَ أزواج ولا تعدُّدَ زوجات!
9 1 طيم 5/11، 14.
10-11 متّى 5/32؛ 19/9؛ مر 10/11-12؛لو 16/18.
الكلام هنا عن المتزوّجين المسيحيّين. لا فسخ للزّواج المسيحيّ، بأمر صريح ومطلق من الرّبّ نفسه (متّى 5/32؛ 19/9؛ مر 10/11-12؛ لو 16/18). يسلّم بولس الكنيسة، علاوةً على سرّ المسيح الفصحيّ، شرائع وتعاليم أدبيّة وٱجتماعيّة.
12-16 الكلام هنا عن المتزوّجين، إذا كان أحد الزّوجين مسيحيًّا، والثّاني غير مسيحيّ. ليس أمرٌ صريح من الرّبّ في هٰذه الحال، فيجتهد بولس في إعطاء حلّ شخصيّ: إذا رضي الزّوج غير المؤمن أن يساكن زوجه المؤمنِ، وفق شريعة الإنجيل، فلا فسخ للزّواج. أمّا إذا لم يَرضَ، فيرتقي بولس، وهٰذا ما يُدعى بـ"الإنعام البولسيّ"، أنّ فسخ الزّواج ممكن، والزّواج من جديد ممكن أيضًا (15).
14 روم 11/16.
يتقدّس: لا يقصد بولس هنا القداسة الدّاخليّة عن سرّ العماد، بل اﮕنتماء إلى "جماعة القدّيسين" (رسل 9/13). بٱلزّواج يصبح الزّوجان "جسدًا واحدًا" (تك 2/24؛ 1 قور 6/16)، ويتقدّس الزّوج غير المؤمن بالمؤمن، وتنتقل القداسة إلى أولادهما. ويجدر الملاحظة أنّ أولاد المتزوّجين المؤمنين هم بالفعل عينه مقدّسون، في نظر بولس.
بامرأته … برجلها: حرفيًّا "بٱلمرأة … بٱلرّجل"، وفي مخطوطات "بٱلمرأة … بٱلرّجل المؤمن"، وفي أخرى "بٱلمرأة … بٱلأخ"، أي بٱلمسيحيّ (راجع شرح 1 قور 5/11).
17 1 قور 7/20، 24.
24 1 قور 7/17.
الإنجيل
متّى13 :18-23
تفسير مَثَل الزّارع
18 فٱسْمَعوا أنتُم مَثَل الزّارِع:
19 كُلُّ مَن يَسْمعُ كلِمةَ الملَكوتِ ولا يَفْهَمُها، يَأتي الشِّريرُ ويَخْطَفُ ما زُرِعَ في قَلْبِهِ: هٰذا هوَ الّذي زُرِعَ على جانِبِ الطَّريق
20 أمّا الّذي زُرِعَ في الأرضِ الصّخريّة، فهوَ الّذي يَسْمَعُ الكَلِمَة، وفي الحالِ يَقْبَلُبها بِفرح؛
21 ولٰكِنّه لا أصْلَ لهُ في ذاتِهِ وإنّما يَثْبُتُ إلى حين، فإذا حدَثَ ضيقٌ أو ٱضطِهادٌ مِن أجلِ الكَلِمَةِ فحالًا يَشُكُّ.
22 أمّا الّذي زُرِعَ بينَ الشَّوكِ فهوَ الّذي يَسْمَعُ الكَلمة، ولٰكنَّ هَمَّ هٰذا الدَّهرِ وغُرورَ الغنى يَخْنُقانِ فيهِ الكَلِمة، فيَبقى بِلا ثَمَر.
23 أمّا الّذي زُرِعَ في الأرضِ الجيّدةِ فهوَ الّذي يَسْمَعُ الكلِمة ويَفْهَمُها فيحْمِلُ ثَمَرًا، ويُعْطي واحِدٌ مِئةً وآخَرُ سِتّين، وآخَرُ ثَلاثين".
شرح آيات الإنجيل:
19: الكلمة: شَرحُ يسوع لتلاميذه يعكس تعليم الكنيسة الأولى، الّتي كانت تستعمل "الكلمة" بمعنى البشرى الإنجيليّة (رسل 4/4؛ 6/4؛ 8/4؛ غل 6/6؛ قول 4/3؛ 1 تس 1/6). في المثل أربعة أنواع من الأرض: الطّريق، والأرض الحَجِرة، والشّوك، والتّربة الطّيّبة. يقابلها أربعة أنواع من مصير البذار: حبّ يؤكل، وحبّ ينبت وييبس، وحبّ ينبت ويختنق، وحبّ يُثمر. ويتّخذ المثل معنى نهيويًّا على ضوء العهد القديم (هو 2/23؛ إر 31/27؛ زك 6/12)، فيسوع هو نبات السّماء المرسل إلى الأرض ليحقّق فيها عهد الخلاص الجديد.
22 لو 12/16-21؛ 1 طيم 6/9-10، 17؛ متّى 6/19-34.
24 يو 15/8، 16؛ غل 5/22.
للعلم والخبر، للأمانة والدّقة، نعلن ما يلي:
مرجع القراءة: (صلاة الشّحيمة الزّمن العاديّ جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1982).
مرجع نصّيِ الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، التّرجمة اللّيتورجيّة، إعداد اللّجنة الكتابيّة، التّابعة للجنة الشّؤون اللّيتورجيّة البطريركيّة المارونيّة. طبعة ثانية منقّحة – 2007).
مرجع شرح آيات الرّسالة والإنجيل: (الكتاب المقدّس، العهد الجديد، كليّة اللّاهوت الحبريّة جامعة الرّوح القدس – الكسليك 1992).
نقله: فلّاح بكرم الرّبّ.