ويعتبر السياسي المذكور أن موقف نصر الله الداعي الى التصويت على موضوع تمويل المحكمة في مجلس الوزراء لحس الجدال السياسي الدائر بشأنه يهدف الى ابلاغ القوى المشاركة بالحكومة والمؤيدة للتمويل في مواقفها السياسية وامام المبعوثين والمنظمات الدولية كالرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي والنائب وليد جنبلاط، بأن مشاركتها في الحكومة الحالية لا تتيح لها ترجيح كفة مواقفها مهما تعددت التبريرات الداعية لاقرار هذا الموضوع في مجلس الوزراء، لان الكلمة الفصل هي في النهاية لحزب الله وحده، ولا يمكن التنازل لهذه القوى في مسألة يعتبرها الحزب من اساسيات مواقفه الثابتة التي تمس جوهر خطابه السياسي الذي استهدف من خلاله الانقلاب مع الرئيس السوري بشار الاسد على حكومة الوحدة الوطنية السابقة برئاسة سعد الحريري نهاية العام الماضي.
وفي اعتقاد السياسي البارز في المعارضة فإن نصر الله في موقفه هذا، وضع القوى المؤيدة لتمويل المحكمة الدولية، امام خيارات محدودة وصعبة في الوقت ذاته، لان الدعوة الى التصويت على التمويل في مجلس الوزراء تعني بوضوح إنهزام هذه القوى التي تشكل الدعامة لاستمرار الاكثرية الحالية للحكومة لانها لا تملك اكثرية الوزراء، وفي هذه الحالة لن يكون امام رئيسها تحديداً، إلا الاستقالة تفادياً لانعكاسات هذا التصويت على موقعه وللحفاظ على قاعدته الشعبية التي تتحسس كثيراً من موضوع المحكمة الدولية من كل جوانبه ولا تتحمل البت فيه على هذا النحو• ولذلك، من المستبعد ان يطرح موضوع التمويل على التصويت في مجلس الوزراء حسب موقف الأمين العام لحزب الله الذي يرى فيه نهجاً ديمقراطياً للبت بهذا الموضوع، في حين يتجاهل ان البت بمسألة خلافية على هذا القدر من الاهمية إنما تتطلب انتهاج اسلوب توافقي على مستوى كل القيادات السياسية، ولكنه اراد من هذا الطرح الذي يدعي انه يصب في خانة النظام الديمقراطي، حشر جميع القوى المؤيدة لتمويل المحكمة في الزاوية ووضع الحكومة عموماً في موقف حرج، في الداخل والخارج معاً، بالرغم من محاولة بعض حلفائه في التيار العوني الترويج بأن نصر الله ابقى الباب مفتوحاً لتمويل المحكمة عندما قال انه بإمكان من يؤيد هذا الخيار تمويلها من جيبه، لانه لا يمكن حسب قوانين المحكمة لاشخاص ان يمولوا المحكمة لاعتبارات عديدة، وأن هذه المهمة مناطة بالحكومة فقط حسب قوانين المحكمة الدولية.
ويرجح السياسي المذكور أن يستمر الجدل السياسي الدائر حول تمويل المحكمة وحتى تجديد البروتوكول المتعلق بها في وقت لاحق، من دون الاقدام على اي اجراء فاصل بشأنه في القريب العاجل، تفادياً لاحراج اي طرف من الاطراف المؤيدين والرافضين على حدٍ سواء، بالرغم من التحذيرات الدولية التي تبلغ للمسؤولين على اعلى المستويات، من التداعيات السلبية المحتملة على لبنان كله من جراء التلكؤ أو رفض تمويل المحكمة، كما يحاول "حزب الله" فرضه بالقوة على اكثرية اللبنانيين الذين يؤيدون هذا الخيار ويدعمون استمرار المحكمة حتى النهاية، لانه ليس مطروحاً المجازفة بوضعية الحكومة ككل والافضل في نظر الرافضين لموضوع التمويل التأجيل المتواصل للابقاء على الوضع الحالي كما هو.
ويلفت السياسي المعارض الى ان المراوحة القائمة في البت بموضوع التمويل واستمرارها لوقت اطول بحجة التذرع بموقف "حزب الله" الرافض وحلفائه، تعني نكر الحكومة لما ورد في بيانها الوزاري عن المحكمة الدولية بالرغم من كل التأكيدات التي يطلقها رئيسها في هذا الخصوص، في حين ان ملاقاة النائب ميشال عون لموقف نصر الله الاخير مرفقاً بحملة على رئيس الحكومة والنائب وليد جنبلاط، تكشف عن نوايا مبيتة لتزكية الاشتباك السياسي بين التيار العوني وجبهة النضال الوطني، وقد ينعكس هذا التسخين المحتمل على واقع الحكومة ككل وعلى موضوع المحكمة الدولية من ضمنها.
