اعتبارا من تاريخ 11/11/ 2011 ستسجّل المحكمة الخاصة بلبنان بداية تأريخ لمرحلة جديدة على الطريق المؤدّي إلى عمل المحكمة لتمضي قدُما في مهمّاتها بدءاً من محاكمة الفارّين الأربعة المتّهمين بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه. على أن ينضمّ إليهم في وقت لاحق المتّهمون بالجرائم الأخرى التي تمّ التثبُّت من وجود ترابط في ما بينها وبين الجريمة الكبرى، على رغم أنّ واحدة منها وقعت قبلها بخمسة أشهر واثنتين أُخرَيين وقعتا بعدها بأشهر عدّة. وفي المعلومات والقراءات القانونيّة التي استتبعت طلب قاضي الإجراءات التمهيدية دانيال فرانسين قبل فترة قصيرة إلى غرفة الدرجة الأولى، "للفصل في جواز الشروع في إجراءات المحاكمة غيابيّا في قضيّة عيّاش وآخرين" بدءا من جلسة الحادي عشر من الشهر المقبل والتي تقرّر أن تكون علنية ومباشرة على الهواء لتكون "البروفا" الأولية للتثبت من صحة الإجراءات القانونية والقضائية وتوفير افضل الظروف لوكلاء الدفاع ومختلف أطراف المتقاضين أمامها، ما يؤدّي إلى احتساب هذا التاريخ ليكون محطة مهمّة في تاريخ المحكمة.
كيف حدّد التاريخ؟
تجدر بداية الإشارة إلى أنّ هذا التاريخ حدّد قانونا بعد مرور ثلاثة أشهر على صدور أوّل القرارات الاتّهامية والذي طالب بتوقيف المتّهمين الأربعة وتسليمهم إلى المحكمة على رغم أنّ قواعد المحكمة تقول بالشروع في بدء المحاكمة الغيابيّة "بعد مرور 30 يوما تقويميّا من تاريخ إعلان قرار الاتّهام" الذي صدر في 11 تمّوز الماضي، وقد تجاوزته المُهل بما فيها المهلة المتّصلة بنشر صور وأسماء المطلوبين، والتّهم المسندة إليهم في أبرز الصحف اللبنانية، وهو ما حصل فعليّا في 15 أيلول الماضي، وبات له الحقّ بالشروع في المحاكمة، "بما يحفظ ويضمن حماية حقوق المتّهمين" ومن دون تجاهلها على الإطلاق.
وعليه، فإنّ ولوج مرحلة المحاكمة الغيابيّة سيطلق عمل المحكمة بوتيرة قويّة على رغم مسلسل التشكيك الذي يطاولها، والحديث المتنامي عن ملفّ تمويلها أو عدمه. فكلّها قضايا تجاوزتها المحكمة بفعل نظامها الذي لا يحسب لكلّ هذه المحطّات أيّ حساب يمكن أن ينعكس على عملها. فهي ماضية وفق الآليّات المحدّدة في نظامها الخاص، ما يضع الجميع أمام مسؤوليّاتهم، كلّ في ما يعنيه، سواء كانوا من الحكومة اللبنانية أو المجتمع الدولي أو المتضرّرين أو المتّهمين على حدّ سواء.
باب المفاجآت مفتوح
ويظهر من هذه الخطوة المتقدّمة التي تستعدّ لها المحكمة أنّه سيكون على المعنيّين بها البدء بعمليّة حبس الأنفاس بانتظار المفاجآت التي يمكن أن تظهر في أيّ جلسة من جلسات المحاكمة، فهناك الكثير الكثير من الإثباتات التي ينام عليها المدّعي العام للمحكمة القاضي دانيال بالمار، ولم يبلغ بها أحدا، ولم ينشرها إلى اليوم في انتظار اللحظات الحاسمة التي يمكن الكشف عنها، سواء كان أمامه المتّهمون شخصيّا أم لا. فوكلاء الدفاع الثمانية الذين عينوا قبل أسبوع سيكونون في المواجهة، وقضاة المحكمة بمختلف أقسامها ورتبها بمن فيهم مدّعي الحقّ العام سيكونون من الشهود على متانة الاتّهام وما استند إليه بالمار في توجيه أولى مذكّرات الاتّهام. وتضيف المصادر أنّ الشروع بالمحاكمة الغيابية سيضع المشكّكين بالمحكمة ورافضي آليتها أمام الكثير من الحقائق التي تجعلهم في موقف صعب. وقد يكتشفون عندها أنّ هناك أخطاء كثيرة ارتكبت حتى اليوم في شكل التعاطي معها، ومنها على سبيل المثال لا الحصر أنّ حُماة المطلوبين الأربعة سيكتشفون أنّهم ارتكبوا أوّل هذه الأخطاء عندما تبنّوا حماية المتّهمين الأربعة ووضعوهم في مصاف الآلهة والقدّيسين الواجب حمايتهم، اعتقادا من البعض أنّ مثل هذه الإجراءات والمعوقات ستعرقل المحكمة وتعطّل آلية عملها. عِلما أنّ بلمار، وفي قراره الاتّهامي، تعاطى مع المتّهمين كأشخاص يتحمّلون مسؤولية شخصية عمّا فعلوه، ولم يتناول الصفات والمسؤوليّات الحزبية قبل أن يوجّه اليهم الاتّهام، فجاء التبنّي ليضع حزب الله والجهات الداعمة في خانة الاتّهام إلى جانب الأربعة، وفي خانة واحدة بالنسبة إلى ما تقول به قوانين المحكمة وأنظمتها.
ولذلك تعتبر المصادر المتابعة أنّ عملية إخفاء المطلوبين لن تقف عند هذه الحدود، ذلك أنّ لائحة الاتّهام ستتوسّع وسيكون بمقدور مدّعي عام المحكمة في وقت قريب الكشف عن أسماء أخرى تورّطوا في جريمة الحريري والجرائم التي تلتها، كما سيظهر أنّ منفّذي بعض هذه الجرائم هم ممّن نفّذوا الجرائم الأخرى وشاركوا فيها. وستظهر أسماء جديدة تضاف إلى اللائحة الرباعيّة، وإذا تمّ التعاطي معها بالطريقة عينها قد لا تكون الأمور بالبساطة التي يعتقدها البعض، خصوصا إذا ما أضيفت بعض القرائن والإثباتات، ما يدين القدامى والجدد في آن بشكل لا يمكن إخفاؤه أو إنكاره، وبالتالي سيزيد حال الإحراج لدى حماتهم سواء كانوا من لائحة أحزاب لبنانيّة أو تعدّدت هويّاتهم وجنسيّاتهم، بحيث ستنضمّ إلى اللائحة أسماء أشخاص يمثلون أنظمة عربيّة وغير عربيّة تورّطوا في الجريمة بشكل من الأشكال، ولهم أدوارهم في مرحلة من المراحل التي سبقت وتلت مسلسل الجرائم على الساحة اللبنانية.
أين تقف الأحكام؟
ولذلك، قد يؤدّي تقدّم عمل المحكمة في المراحل المقبلة وما قد يطرأ من مستجدّات إلى كشف المزيد من الحقائق التي لا يمكن نفيها أو وضعها على لائحة الاتّهام السياسيّ كما هو حاصل إلى اليوم، وخصوصا إذا ظهر بين الشهود الذين سيقدّمهم مدّعي عام المحكمة أمام قوسها في الوقت المناسب ممّن لهم الكثير من الصدقيّة بما هو كافٍ لرفع مستوى الإدانة وإثباتها. ففي نظام المحكمة ما يكفي من الضوابط لتقديم أفضل وأقوى الأدلة الدامغة غير القابلة للنقاش. ولا تقف الأحكام عند ملاحقة المحرّضين والمخطّطين والمنفّذين بل تصل إلى مرحلة تطاول فيها حُماتهم وكلّ من يثبت أنّه متورّط بالتلاعب بالأدلّة أو بإخفائها أو بأيّ عمل يؤدّي إلى حجب الحقيقة أو توجيه المحاكمة إلى الجهة التي لا يمكن أن تؤدّي إلى إحقاق الحق وإقرار العدالة.