إنتهى معمّر القذافي. سقط طاغية اعتقل ليبيا وشعبها أكثر من أربعين عاماً. خرج من مخبئه الصغير، حاول الفرار. لم يستطع. طوى الليبيّون صفحات كتابه الأخضر، وأسدلوا الستار على بطولات وهميّة، وأساطير لم تكن: من باب العزيزية إلى سرت. تماثيل كانت مقدّسة، أُجبر الشعب على نسج الروايات عنها وحولها، عادت ركاماً. في لحظة واحدة، رحلت الذاكرة.
(…) درس قدّمه الليبيّون إلى كلّ شعوب الأرض. فما كان فيها، لم يكن له مثيل. هي مختلفة تماماً عن تونس وعن مصر. فعلى الرغم من تقارب الطغاة في نسج علاقتهم بالشعب المستضعف، إلّا أنّ في ليبيا لم يكن عقلٌ لدى قائدها المفدّى. كان ينسج من خياله عالماً لا يشبه الأرض ولا البشر. حتى إلى حين اعتقاله، كان يعيش خارج الحياة وتفاصيلها.
سقطت ديكتاتورية عائلة أتت من عالم آخر. بقيت ديكتاتوريات تعيش في عالم آخر. خرج الليبيّون من المعتقل، ولا شكّ أنّ شعوباً كثيرة من بعدهم ستخرج إلى حرّيتها. لكن، الأثمان كثيرة، طالما أنّ الحكّام في غيبهم يتحكّمون، ولا يدرون أنّ ساعة الحقّ، أحقّ من ألف ساعة.
كثيرون يعيشون في هذا الغيب، لعلّهم لن يتعلّموا ممّن سبقهم. من شاهد القذافي بالأمس، ارتعب للحظات، قبل أن يعود إلى غياهب سلطة زائلة لا محالة. هو الحال المعاكسة لدى الشعب، كلّ شعب، من سوريا إلى اليمن وصولاً إلى كلّ بقعة ظلم، فهو استمدّ من الليبيّين أملاً ببزوغ فجره. فجر يُخرج الشمس من أسر حزب خالد، لم يكتفِ بالاعتقال، بل رفع الموت إلى مرتبة الحياة، وجعل منه حبيباً يبغي بقاء القائد فوق رؤوس العامّة. التي منها يخرج الأحرار، وتولد الحرّية.
قد يقول بعض من يتحدّثون بالطهارة، بئس هذه الثورة الليبيّة التي أوّل بشائرها إعدام الطاغوت بعد اعتقاله. قد يكون هذا الحديث فيه شيء من المنطق، لكن بكلّ الأحوال ليس فيه من واقع. هم جميعاً ينظرون من بعيد ويُنظّرون كيفما شاؤوا. أحاديث العفّة والطهارة تُقال في الصالونات، وفي مجالس تحليليّة كثيرة هذه الأيّام، لكن لا يمكن أن تكون لدى من حمل السلاح ليحرّر أرضه. هذا الذي اعتقل القذافي، ابن مصراتة التي نكّل بها الطاغية أكثر ممّا نكّلت قيادات إسرائيل مجتمعة بالفلسطينيّين، ليس بالإمكان أن يلام، أو أن يُحاسب. هو انتقم منفرداً لعائلات أبيدت. لأمّهات ستبكي دماً إلى بعد حين. لأطفال يخرجون إلى الوعي، من دون وعي والد أو قريب أو حتى بعيد.
هذا واقع لا يمكن إلّا أن يكون كما يراه أولئك الثوّار. واقع في ليبيا. في غيرها قد تكون الأمور مختلفة، لكن لا أسئلة يُمكن أن تُطرح على من يخرج إلى حرّيته محاطاً بأرطال دماء من سبقوه إلى ذلك الفجر الجديد، حين عبروا منفردين، وقرّر بعدها الجميع أن يعبروا مهما كانت النتائج.
جميل تعليق المعارض السوري ياسين الحاج صالح في معرض وصفه لانتفاضة بلاده، حين قال: إنّ الثورة السوريّة هي ثورة العاديّين من الناس، إنّها بصورة ما ثورة ضدّ الغرور وكلّ ما هو مغرور، غرور السلطة، وغرور الأشخاص، وغرور الإيديولوجيّة، وغرور المثقّفين وغرور الأحزاب. المغرورون جميعا ضدّ الثورة.
في ليبيا طاغية رحل، في غيرها طاغية مغرور ينتظر.